السبت، 28 ديسمبر 2013

( 7 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 7


غرفه 53 ...
  
   بعد أستقرار حالتى تم نقلى إلى غرفه بسيطه متساويه الابعاد , حوائطها مطليه بالون الابيض و بها نافذه تطل على الشارع الرئيسى للمستشفى فوقها لوحه لمنظر طبيعى يشعرك بالكئابه و الضياع و بالمقابل يوجد باب الغرفه و بجانبه باب أخر لحمام صغير و يوجد بالمنتصف السرير الذى أرقد عليه و ساعه معلقه على الحائط المقابل لى تزعجنى دقات عقاربها السامه , مازال جهاز القلب موضوع بجانبى يرسم خطوطا منتظمه الايقاع و أسلاكه تمر فوق صدرى و محلول يشق طريقه بين أوردتى بدون أستيحاء , ظل كلام الطبيبه يدور داخل رأسى كطائره تستنفذ وقودها من أجل هبوط أضطرارى "مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله" , كُل ما أتذكره وقوعى بداخل غرفه نومى و النافذه التى كانت مفتوحه عن أخرها و المطر الذى أغرقنى و ذهابى إلى الحمام و أفراغ ما بمعدتى و شعورى وقتها بألم رهيب ثم أظلم كُل شئ , لا أقوى على تذكر أى أحداث أكثر من ذلك , مازال الصداع مستمر منذ ليله أمس حتى الان , خلال متابعتى لصوت دقات عقارب الساعه التى أمام , فتح باب الغرفه ممرضه بدينه سألتنى عن حالتى الان :

_ عامل أيه أنهارده ؟
_ تعبان جدا و الصداع هيفرتك دماغى , مش عارف أنام ساعتين على بعض

   أمنت على كلامى بهزه بسيطه من رأسها و نظرت إلى جهاز رسم القلب لعدد من الثوانى ثم قامت بعدها بقياس ضغطى و النبض , بعدها تركتنى بالغرفه ثم عادت بعد وقت قليل ممسكه بيديها حقنه قامت بتفريغ ما تحتوىِ بداخل المحلول المعلق بيدى ثم قالت :

_ ده مهدئ هيخليك تعرف تنام
_ شكرا

   أنسابت مفاصلى دفعه واحده و شعرت أن رأسى أنفصلت عن جسدى و أنى أصبحت حرا طليقا , بهدوء أنسابت جفونى و أستسلمت إلى غياهب النوم بدون مقاومه , لا أعلم هل تركتنى الممرضه قبل أن أذهب أم راقبت المشهد .. اللعنه على المؤخرات الكبيره !

   المشهد أمامى كصوره تبث بتلفزيون ماركه تليمصر أنتاج الثمنينات مزود بأريل يأتى بالقناه الاولى و الثانيه فقط , صوره غير ثابته , مشوشه و بها الكثير من النغمشه , أرى الغرفه التى بها من خلال تلك الصوره الغير واضحه , أرى نفسى كأننى مستيقظ و فى كامل نشاطى و عقلى فى كامل تركيزه كمن نام عشره سنوات , عقارب الساعه المعلقه على الحائط أمامى غير موجوده , أراها عقارب حقيقيه تتمشى على الحائط فى دوائر عكس أتجاه سيرها داخل الساعه , بدأت الصوره ببطئ تسئ أكثر فأكثر حتى أصبحت الرؤيه معدومه , أنقطع البث نهائيا , أصبحت لا أرى الغرفه ولا أرى جسدى , ظل وش قطع البث مستمر لفتره حتى شعرت بسخونه رياح جعلتنى أتذكر سريعا المكان المظلم الذى كُنت محبوسا به و لكنى هذه المره كُنت أرى جسدى ملقى حدفه على تلك الارض الخشنه , ساكن لا يتحرك و بجانبه بقعه دماء لونها أغمق من ظلمه المكان , أنتابتنى قشعره أنتفض لها جسدى لرؤيه جسدى ميتا فى ذلك المكان الموحش , عقلى متوقف عن التفكير كأن أحدهم عبث بأسلاك رأسى , فقط المشاهد تعرض أمامى بدون تدخل منىِ فى أى شئ , عاد البث مره أخرى سئ لفتره ظللت فيها مفتوح العينين لا أراديا أحملق بذلك الوش المستمر حتى أغمضت عينى بغته و أنسحبت بعنف داخليا .. داخل نفسى !

   صوت تلاطم الامواج الخفيف جعلنى أستيقظ , ببطئ فتحت عينى و لاحظت أشعه الشمس تحاول ممارسه الرزيله معاها , أغلقتها سريعا و أعتدلت فى جلستى فالرمال ساخنه , بعد أن فتحت عينى و أغلقتها عدت مرات واجهت أشعه الشمس و هذا المكان , البحر بألوانه الزرقاء و النخل مُصتف عاليا , الهواء لطيف يداعب خصلات شعرى , أثناء إزاله حبات الرمال من علىِ أدركت أننى سوف أقابل السيده الافريقيه ذات الخمسين عاما , فهذا جسدى متناسق الاكتاف و الصدر و الازرع و البطن المقسمه التى منحتنى أياه , على مرمى السُحب المتراميه فى السماء وجدت البيت الخشبى الذى كُنت به من قبل , هذه المره أرتدى بنطال فقط , أفضل من لا شئ , أخذت طريقى إلى ذلك البيت و الرمال تبث سخونتها بأسفل قدمى حتى وصلت , صعدت سلمتين ثم دلفت إلى الداخل فالباب كان مواربا , الغرفه كما هى منذ المره السابقه , السرير ذو الاربع أعمد و الستائر المتدليه منه فى المنتصف , الطاوله و الكرسى و المرأه التى أرى نفسى بها الان , صوت قدمى على أرضيه الغرفه الخشبيه أعلن عن قدومى لها , مددت رأسى ناحيه الشرفه وجدتها جالسه تدخن سيجارتها المفضله و تصب الشاى فى فنجان مقابل لفنجانها , بدون أن تلتفت إلىِ قالت : بتحب الشاى ؟!

   أقتربت من الشرفه حتى جلست بالكرسى الذى يوجد أمامها و ظللت محملق بها فى محاوله لمعرفه من هذه السيده و ماذا تعرف عنى , تركت المعلقه التى كانت تذوب بها الشاى و أراحت ظهرها على كرسيها البسيط و ظلت مبتسمه لعدد من الثوانى ثم دفنت بقايا سيجارتها فى تنوره كرستال ثم قالت :

_  جو المستشفى كئيب مش كده ؟
_ ...........
_ أتلحقت على أخر لحظه , البنت شكلها بتحبك جدا
_ ..........
_ ايه هتفضل ساكت كتير !
_ معنديش حاجه أقولها
_ أزاى بقى ده أنت سر كبير
_ أنتى مين ؟
_ متسألش .. قالتها بحده ثم أردفت ملطفه : أنت المفروض تشكرنى
_ !
_ أتكتب ليك عُمر جديد
_ الاعمار بيد الله
_ أاااه , هو أنت منهم
_ هما مين ؟!
_ مش ده موضوعنا , شوفت أخره رجوعك لست الدار
_ ايه ؟
_ مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله
_ ده كلام الدكتوره !
_ الجمال مش كُل حاجه
_ قصدك أيه ؟
_ ست الدار عمرها ما جت و سابتك بعدها سليم
_ ..........
_ أنت لسه ضعيف قدامها , لسه فاكر كُل تفصيله فيها , هى عارفه أنك بتحب جسمها عشان كده جت عريانه
_ أنا مش وسخ
_ و مش ملاك , خمسين فى الميه من نيتك لازم تعيد النظر فيهم
_ .........
_ ست الدار مش عايزاك تفضل عايش
_ قصدك أنى المفروض دلوقتى ميت !
_ أنت ميت فعلا , أنت مشوفتش جثتك ولا ايه ؟
_ أمال مين اللى فى المستشفى و مين اللى قاعد قدامك دلوقتى ؟!
_ أنت موووووووت .. قالتها بصرخه صمت لها أذنى ثم أردفت : و مش صعب أقنعك
_ ...........
_ أشرب الشاى

   مددت يدى بكُل برود و لامبالاه و أمسكت فنجان الشاى الابيض ذو الرسومات المتحركه , أفاعى سوداء تلتف حول بعضها البعض , رفعت الفنجان إلى فمى و مع الرشفه الاولى سقط أحد الافاعى فى فمى , شعرت به يتخذ طريقه داخل حلقى ثم من بعدها أحسست بألم رهيب ناحيه قلبى , من فرط الالم أوقعت الفنجان على الارض و نظرت إليها و إلى ثباتها و مراقبتها لى , أخرجت من علبه سجائرها واحده و مع أشعالها نشب حريق داخل صدرى شممت رائحته داخل أنفى ...

_ أنتى بتعملى فيه ايه ؟
_ ..........
_ أنا بموت
_ هتموت
_ !
_ من زمان و أنا مستنيه اللحظه دى , أنت ضعيف و هتسمع الكلام , مفيش قدامك حل تانى , لقد بدأ الامر للتو

   من قال "لقد بدأ الامر للتو" شخص رخيم الصوت , صوت رجل بالغ ممتلئ بالحقد و الشر لم يكن أبدا صوتها , مازال الالم يعتصرنى بكُل عنف و قسوه , سكاكين تذبحنى من الداخل حتى أننى وقعت من على الكرسى و تمددت على أرضيه الشرفه و بدأت الصوره تذهب رويدا رويدا

_ سرعه ضربات القلب بتزيد بسرعه رهيبه و ضغطه بقى عالى جدا , كلمى مدير المستشفى يلحقنى أنا مش قادره أسيطر عليه , جسمه بيتنفض بعنف , هيروح مننا

   المشهد داخل غرفتى بالمستشفى , جسدى ينتفض و سرعه ضربات قلبى كسرت السرعه القانونيه , الدكتوره المتابعه لحالتى تحاول فعل أى شئ ولكن بدون فائده , سيده الدار تقف عاريه خلفها تبتسم بحنانها المعتاد و خلف سيده الدار شابه ترتدى أسدال طويل و بيدها سكين يلمع نصله , أقتربت منىِ و سددت عده طعنات متفرقه فى أنحاء جسدى و سيده الدار لم تتحرك ساكنه لى تمنعها ...

_ فى نزيف يا دكتور من كُل حته فى جسمه معرفش جه أزاى و منين , بينزف كتير جدا
_ غريبه جسمه مش بيستجيب للمهدئات , هاتى بسرعه جهاز الصدمه الكهربائيه

   هرعت الطبيبه لكى تأتى بالجهاز و حاول مدير المستشفى السيطره على النزيف و ضربات قلبى المتسارعه و لكن بدون فائده جهاز رسم القلب كاد يحرق من سرعه خطوطه الخضراء المتراقصه بعنف و عداد الضربات الذى جاوز الحد المسموح به منذ زمن

_ الجهاز يا دكتور
_ كُله يوسع .. 1 , 2 , 3

   تقوس ظهرى من شده الصدمه الكهربائيه و لكنها لم تاتى بنتيجه , أعاد الرجل المحاوله مره أخرى و مع الصدمه الثانيه رأيتنى بجسدى التى منحتنى أياه السيده الافريقيه واقف عند طرف السرير و سيده الدار و صاحبه الاسدال أمامى بالطرف المقابل للسرير , أنظر إليهم بملامح يملئها الغضب و العبوث , تغيرت ملامحهم عندما رأونى أمامهم , نظرت إلى و أبتسمت ثم قلت لم ينتهى الامر بعد لقد بدأ للتو , أشعر أننى فى أفضل حالتى بهذا الجسد المتناسق , الصدمه الكهربائيه الثالثه أنتهى معها كُل شئ , سكن جسدى بلا حراك و أختفت سيده الدار و صاحبه الاسدال كما أننى أختفيت أيضا من أمامى , عندها أطلق جهاز رسم القلب صافره طويله تعلن وفاتى رسميا , نزع الطبيب الاسلاك من صدرى و قال إلى الطبيبه المساعده :


_ ساعه الوفاه 10 : 4 الفجر

الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

( 6 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 6


35 : 10 صباحا ...
مستشفى القصر العينى ...
العنايه المركزه ...

   بدأ جهاز رسم القلب يرسم خطوطا غير مستقره بجانب سرير محاط بستائر زرقاء اللون أسمع من خلفها أنين المرضى , حركت أصابعى بصعوبه على الاسلاك التى تمر فوق صدرى و فتحت عينى ببطئ , من بين شكائر الاسمنت التى سدت جفونى تأملت ضوء لمبه نيون معلقه فوقى , طرقات الصداع تدوى فى رأسى كطرقات حداد سئ المزاج , أغمضت عينى و فتحتها مره أخرى لم يتغير شئ , لم أعرف سبب عدم قدرتى على الرؤيه من بعيد جيدا , كأننى أريد مسح عينى و أزاله ما عليها حتى أرى جيدا , فجأه شعرت بألم شديد خلف رأسى و كأن يوجد حجر أسفلها , ببطئ رفعت يدى و تحسست أسفل رأسى حتى شعر بصدمه كهربائيه أنتفض لها جسدى , لن أحاول مره أخرى , وضعت يدى بجانبى و أغمضت عينى لعده دقائق أستوعب حالتى و المكان الذى أرقد به بدون حراك , خلال تفكيرى سمعت صوت الستائر تُسحب إلى نهايه السرير و رائحه عطر أنثوى و طبيبه شابه تصوب كشاف ساطع لحدقه عينى : سامعنى .. تقدر تتكلم ؟

   صوتها بعيد كأنه أتِ من مسافه شهر , حاولت فتح فمى المتحجر و البحث عن لسانى و لعابى الجاف ...

_ حمد لله على السلامه
_ أنا فين ؟
_ القصر العينى
_ بعمل ايه ؟

   أنتهت الطبيبه من قياس ضغطى ثم قالت :

_ لا تمام .. تمام , أنت كده مش محتاج تفضل على جهاز الضغط
_ أنا بعمل ايه هنا ؟
_ دول كام ؟
_ انا عنيه مزغلله و حاسس بصداع جامد
_ كل ده من تأثير الخبطه اللى فى دماغك .. دول كام ؟
_ تلاته .. ايه اللى حصلى ؟
_ أغمى عليك و وقعت على راسك , الخبطه اللى فى راسك هى اللى عمله الصداع و زغلله العين , بس متقلقش الزغلله تأثير وقتى لكن الصداع هيستمر شويه
_ طيب هو أنا أغمى عليه ليه ؟
_ مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله , الكلام ده من حوالى عشره أيام , أنت ليك قرايب ؟
_ لا أنا عايش لوحدى
_ طيب فاكر ساكن فين ؟
_ اه فاكر
_ عموما فى أنسه هى و راجل بيتكلم لغه غريبه كده هما اللى جابوك يوم ما أغمى عليك
_ البواب
_ طيب كويس , أنت فاكر أهو كُل حاجه , هسيبك تستريح دلوقتى
_ أنا الصداع هيموتنى , زائد أنى حاسس بوجع ناحيه قلبى

   بدأت تعيد فحص نبضى ثم قالت :

_ الوقعه اللى وقعتها على راسك مش سهله , الصداع هيستمر معاك و ممكن تحس بأعراض الصداع النصفى كمان على فترات , كويس أنك لسه بتشوف , وقعه زى دى بعمى على طول , الزغلله مع الوقت هتروح , الوجع اللى ناحيه قلبك ده من المجهود اللى أتعرضت له عضله القلب و سبب دخولك فى غيبوبه , مش عايزه أقولك بس أى مجهود زياده بأزمه قلبيه على طول .. أنت أتلحقت على أخر وقت أكتر من كده مع النزيف كان زمانك مش قاعد قدامى و بنتكلم

   أجمعت أشيائها و قبل أن تهم بالرحيل قالت :

_ لولا الانسه و البواب اللى جابوك هنا كان ممكن الامر يبقى أسوء .. متنساش تبقى تشكرها , هى جارتك و ساكنه معاك فى نفس الدور

   قالت جملتها الاخيره و رحلت ساحبه معها عطرها و أبتسامتها التى لم تخفى طول حديثنا , حديثنا الذى أخبرتنى فيه أننى أصبحت مريض و مهدد فى أى وقت بأزمه قلبيه , قالت جملتها الاخيره و تركتنى أصارع أسئلتى بين الستائر الزرقاء

   بعد ساعتين من الفحوصات أستسلمت فيهم للأطباء و الممرضين كقطعه قماش باليه جاءت الممرضه و خلعت عنى الثوب المشقوق من الظهر - ثوب المستشفى - و أفرغت القسطره و مسحت جسدى بالماء البارد و تركتنى مع الألم و مع صداع رأسى المزمن , الان أصبحت مفشوخ نفسيا و جسديا , الان أصبحت بقايا أنسان يحاول الحياه بقوه الدفع , لم تعد الحياه متوقفه كما سبق , لقد أصبحت تعود إلى الخلف بدون مرايات توضح الطريق , لا أراديا خارت قواى و غِط فى نوم عميق كمن تدفن رأسه فى الرمال

   _ أنا معاه دلوقتى فى العنايه .. دخلونى بالعافيه .. اه , اه .. هو نايم حاليا .. سألت الدكتوره عليه , حالته مستقره بس أنا مش مطمنه .. خايفه أوى عليه .. ده مبقاش نافع يا بنتى .. أن شاء الله يقوم منها .. أدعى له يقوم بالسلامه , يارب يا حببتى .. يلا باى

   تنبهت لصوت رقيق به بحه مميزه و نغج أنثوى ساحر مع جمله "ده مبقاش نافع" , فتحت عينى برفق حتى رأيتها , تلك المره الاولى التى أراها فيها عن قرب , شعرها البُنى الناعم المرفوع إلى أعلى و مُحكم من الخلف بعصاه من المطبخ الصينى و خصلتها الحمراء المجنونه مع نظاره شمسيه فوق رأسها , بشرتها ملساء تلمع مع نيون اللمبه التى فوقى و نغزه محفوره بخدها الايمن كمثل التى أملكها , اليوم شفتيها و أظافرها بلون الروز و عطرها هو دائما الذى كُنت أستنشقه عند مراقبتها و التصنت على باب شقتها , اليوم ترتدى "سويت شيرت" أبيض عليه كلمه "STOP" محفوره على صدرها الرائع و بنطال جينس به لمعه بيضاء خفيفه يرسم وركيها بحرفيه و حذاء رياضى , ممسكه بيديها مفاتيح شقتها و مفاتيح السياره , لم تأتى بشنطه يد !

_ ... أن شاء الله يقوم منها .. أدعى له يقوم بالسلامه , يارب يا حببتى .. يلا باى

   أنهت مكالمتها و نظرت إلى حيث وجدتنى أنظر إليها بعين ثابته و أبتسامه سعاده تريد أن ترسم على وجهى رغم حالتى , أبتسمت بأستغراب و قالت :

_ أنت صاحى من أمتى ؟
_ من ساعه ده مبقاش نافع

   أبتسمت حتى ظهرت النغزه اليُمنى بخديها الابيض المتورد بعين ثابته تقتحمنى بهدوء و حرص ...

_ أنت مشوفتش نفسك كُنت عامل أزاى ساعتها , ده .. توقفت لثوانى ثم أردفت :

_ هسيبك دلوقتى عشان أنا دخلت ليك بالعافيه و كده طولت جدا , خلى بالك من نفسك و أنا هعدى أطمن عليك كُل فتره , مفتاح الشقه بتاعك معايا , لو حابب أجبلك حاجه منها معايا المره اللى جايه ولا حابب البواب هو اللى يجى ؟
_ بواب ايه , لا لا انا مش ناقص أفضل أفك فى طلاسم طول ما أنا بتكلم معاه
_ ده بجد طيب و هو اللى جى معايا على المستشفى لما حصل اللى حصلك .. يلا أسيبك ترتاح دلوقتى , سلام

   وضعت يديها على يدى و الاخرى على جبينى و نظرت فى عينى لعدد من الثوانى شعرت كأنهم قرن من الزمن , قرن من السعاده , أبتسمت لها و ظللت محافظ على بقائى مستيقظ حتى رحلت و أدركت وقتها أنى لن أندم مره أخرى على من رحلوا !

الأحد، 22 ديسمبر 2013

( 5 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 5


   سأقف تلك الليله وحدى ، تتساقط عنى الذكريات ، و يبعثر الهواء أشلائى لأذهب و أتمسك بذرات المزيكا المتناثره هنا و هناك , تلك الليله سأكون بلا قمر يهدينى للطريق الذى طالما بحثت عنه , سوف تصبح السماء و الارض لوحه واحده سوداء , لن أرى أى شئ , غلق عينى و فتحها مره أخرى لن يفيد فالمشهد بالداخل لا يفرق كثيرا عن الخارج , النجوم تعتذر عن القدوم هذه الليله و الرياح دافئه تأتى من جميع الاتجاهات , لا يوجد صوت يعلو فوق صوت الرياح و ذرات التراب المتناثره , فقدانى للرؤيه أمامى جعلنى أجلس على الارض , فقد ألم بى دوار و بالكاد أحاول الحفاظ على التوازن , التوازن الذى سوف يختفى بعد أن يضرب رأسى صداع نصفى من الظلام الشديد و عدم القدره على تحديد الاتجاهات , الارض التى أجلس عليها دافئه , خشنه , عليها الكثيره من التراب و الحصى , أشعر أننى فى موقف سيارات كبير به العديد من عواميد الاناره , أشعر أننى وحيد , حقا أنا وحيد فى ذلك المكان , شعور الوحده يختلف كثيرا عن ممارستها , بؤبؤ عينى متسع عن أخره من شده الظلام , أشعر أنه سوف يتمزق , فى ذلك الموقف تأتى الهواجس محمله على سيارات نصف نقل و تبدأ بالانفراد بك و مهاجمتك من جميع الاماكن , كأن شئ سوف يأتى من خلفك ليفترسك , أسد أم ثعبان أم دب القطب الشمالى لا يهم , ما يهم أننى سوف أصبح فريسه فى نهايه الامر , أو أن الارض التى جالس عليها سوف تختفى و أسقط إلى الهاويه حتى أرتطم و تتناثر أشلائى فى كُل مكان , لا مجال لطرد تلك الهواجس من رأسى , أحتاج إلى نور فقط شعاع بسيط أسير نحوه و يحدث ما يحدث , لا أريد الجلوس هنا كثيرا !

   بدأ الدوار مع طرق الصداع لرأسى المسكين , تكورت على الارض كالرضيع فى بطن أمه و الرياح الدافئه و الحصى تلفح وجهى بدون توقف , ظللت على ذلك الوضع لفتره أفكر كيف وصلت إلى ذلك المكان , أحاول أرجاع الشريط مره أخرى , أين كُنت قبل ذلك ؟ , حاولت كثيرا أن أتذكر و لكن بدون جدوى , الصداع أفسد ذراع أسترجاع الاحداث و أفسد ما تبقى فى رأسى من سلوك , أرتميت على ظهرى و فرد يدى الاثنين يمينا و يسارا و فتحت عينى فى محاوله لرؤيه لا شئ و لكنه أفضل من غلقها و تخيل أشياء مرعبه , تمنيت النوم بشده , تمنيته أكثر من الطعام و الماء , أشعر بضغط كبير لا يستطيع أحد أن يتحمله , جسدى مُنهك إلى أبعد الحدود , مع الوقت بدأت أنفى تنذف , طعم الدماء على شفتى يقول أننى أنزف و بغزاره , لم أقوى على رفع يدى لوقف النزيف , ثقل رأسى و ضربات قلبى التى بدأت تقل و نَفسى الذى لم أستطع أخذه جعلنى أنهار فى هدوء , صوت الرياح توقف و لم أعد أشعر بدفئها , عينى أنفجر منها نهر صغير يشق طريقه على وجهى المتيبس و روحى بدأت تتحرك بداخلى حتى لم أعد أسمع صوت دقات قلبى .. مبروك لقد موت الان !

   ما سوف تجده غريبا أن عند موت الانسان يكون مدرك جيدا أنه فارق الحياه , يرى جسده مسجى على الفراش و لكنى لم أنُعم بتلك الرفاهيه فأنا لم أرى جسدى من شده الظلام ...

   تحركت أناملى بصعوبه على الفراش الناعم المستلقى عليه كريشه وقعت من طائر يُحلق فى الفضاء , فتحت عينى ببطئ و من بين خيوط العُماص التى تشابكت حولها , تأملت الضوء المنبعث من النافذه , بدى كأنه سيوف تخترق عينى , مازالت طرقات الصداع تدق رأسى و لكن خفت حدتها عن زى قبل , أغمضت عينى و فتحتها مره أخرى , رفعت يدى فى بطئ أتحسس أنفى , لم أجد للنزيف مكان فقد توقف , الهواء يخترقنى من كُل مكان , نظرت أسفل الغطاء لم أجدنى مرتدى شئ من رقبتى حتى قدمى لم أجد ما يسترنى , أين ملابسى ؟ , ما هذا المكان ؟

   بدأ الهواء يداعب الستائر البيضاء المعلقه فوق نافذه تتوسط حائط خشبى , غرفه حوائطها خشبيه و سقفها مرتفع , أتساع عنبر من عنابر المرضى بمستشفى حكومى , يتوسطها سرير كبير له أربع قوائم مرتفعه إلى أعلى و معلق عليها ستائر بيضاء نافذه للضوء تناسب إلى أسفل , بالخارج يوجد بحر صافيه ألوانه , صوت أمواجه الرقيق يعلن عن وجوده , أمام السرير يوجد باب و على اليسار يوجد باب اخر مفتوح يطل على بلكونه مربعه الشكل تطل على الشاطئ , بجانب السرير طاوله و كرسى و أرضيه خشبيه مفضوحه سوف تعلن عن قدوم أى شخص من مسافه شهر لمجرد طرق قدمه عليها !

   أغمضت عينى مره أخرى و فتحتها بعد أن أستغرق الامر بضعه دقائق فى محاوله للتخلص من الصداع و فى تلك المره التى فتحت بها عينى رأيت سيده تجلس بالشرفه تدخن السجائر , تنظر إلى فى هدوء مبالغ فيه , هى فى العقد الخامس , متوسطه الحجم و الطول , سمراء لون البُن الفاتح , شعرها متعرج و قصير يكاد يلامس طوله أكتافها , ملامحها أفريقيه بعض الشئ و لكنه الجمال الافريقى , ترتدى جلباب أبيض و به العديد من النقوش و الزخارف و الخياطات المتقنه الصنع و الرسم , عيناها عسليه اللون , معلق برقبتها سلسله جاهدت كثيرا لمعرفه ما يوجد بها و لكنى لم أستطيع التحديد , يوجد على يديها نقش يبدو وشم و يبدو حنه و لكنه كان يمتد من كف يديها حتى أصابعها , ظللت أحملق بها كثيرا منتظر أى رد فعل منها و لكنها أستمرت فى تدخين سجائرها , من هذه أيضا ؟ , سؤال جديد أنضم إلى أخوته بلا أجابه !

   بحثت بعينى عن أى شئ لأرتدى لكنى لم أجد , لن أظل جالسا هنا مع أسئلتى الكثيره و علامات الاستفهام التى تدور حول رأسى و أيضا لا أعلم متى سوف تنتهى من سجائرها ولا من برودها المتقن الصنع , قمت من على السرير و لففت حول وسطى الغطاء الابيض الذى كان علىِ و تركت نصفى الاعلى عاريا لن يعثرها فى شئ , خلال أحكام نصفى الاسفل نظرت إلى مرأه موضوعه بجانب السرير , نظرت إلى جسد ليس لى , هذا وجهى و لكن الجسد ليس جسدى , رأيت شخص متناسق القوام و مرسوم الصدر و البطن و الزراع و الكتفين , أغلقت فمى من الدهشه و نظرت إليها حيث نظرت إلىِ و أشارت بيديها لكى أشاركها الجلوس , قبل الذهاب إليها سرقت نظره على جسدى الجديد و الصدمه مسيطره علىِ .. نعم هذا حقيقى و ليس جنونا !

   الجو بالخارج كان ساحرا , الشمس فى كبد السماء و السُحب البيضاء متناثره على مئات الكيلومترات و البحر ممتد بألوانه الزرقاء و الهواء لطيف خفيف يداعب خصلات شعرى , لا يوجد أحدا هنا غير هذا البيت الخشبى المكون من طابق واحد ...

   جلست على كرسى بجانبها ولا أعلم حتى الان هل هذا حقيقى أم مجرد حلم من أحلامى المزعجه , أعتدلت فى جلستها و أطفأت سجارتها و قالت :

_ أنت مش بتحلم
_ .............
_ أنت عارف أنك شخصيه غريبه جدا , ليه بتدعى الهروب و أنت لما بتجيلك فرصه تقابل فيها حاجه قديمه بتمسك فيها بكُل قوتك ؟
_ ............
_ ست الدار كانت وحشاك ؟
_ !
_ ليه روحت معاها ؟
_ ...........
_ مسئلتش نفسك أيه اللى رجعها تانى و فى التوقيت ده بالذات ؟
_ أنتى مين ؟
_ أنت عارف أنك بتموت دلوقتى ؟
_ أنا موت خلاص بس معرفتش أشوف جسمى بسبب الضلمه !
_ أمال مين اللى قاعد قدامى ده ؟
_ معرفش , ده مش جسمى
_ طبعا مش جسمك , هو الجسم أيه غير غطا , روحك لسه عايشه , أنت قاعد بتتكلم معايا
_ أنتى مين ؟
_ أنت بتموت , عارف كده , أنت لسه مغمى عليك فى الحمام و لو محدش لحقك هيكتبوا عنك تانى يوم فى صفحه الحوادث
_ ...........
_ نمت ليه مع ست الدار ؟
_ أنا بعمل أيه هنا ؟ و أنتى مين ؟ و فين هدومى ؟
_ جاوب عشان أعرف أساعدك
_ تساعدينى ! , أيه المكان ده ؟ , أنا فين هنا ؟
_ مش هتبطل العاده دى , ترد السؤال بسؤال
_ أنتى عرفتى منين ؟
_ أنت سبت اسكندريه ليه ؟

   جاء سؤالها الاخير كالقشه التى قسمت ظهر البعير , بالتأكيد هى تعرف عنى كُل شئ , كيف عرفت أن سيده الدار أتت لى ليلا و كيف عرفت أننى تركت الاسكندريه منذ فتره طويله و كيف عرفت أننى أحتضر الان بالحمام داخل شقتى , لن أستطيع الهروب منها أيضا , بعد كُل هذا التفكير نظرت إليها و بداخل عينى قرأت أستسلامى لها ...

   أشاحت بنظرها نحو البحر و لاحظت شبح أبتسامه رسم على وجهها ثم أخرجت سيجاره من علبتها و أشعلتها و مع خروج دخان النفس الاول نظرت إلىِ قائله :

_ كده نعرف نتكلم ...

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

( 4 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 4


      .. فقط وافقت على دعوتها للعشاء ليلا !

   لم يتم تحديد أى موعد لذلك العشاء الذى وافقت على حضوره معاها , فقط أقترحت و أنا أمنت ثم أنسحبت إلى شقتها و بقيت فى مكانى لعده ثوانى أستجمع ما وقع منىِ و ما رحل معاها , مسمار جديد يُدق فى قلبى , فأنا أعرف هذه البدايات جيدا , أقتراب مع حذر كطفل مزعج يدق جرس شقه و يجرى صاحبها سمين و أقرع , يجلس بملابسه الداخليه بعد عودته من العمل , يسب و يلعن طوال الوقت كأنه يقضى سنين حياته كمسجون محكون عليه بالمؤبد , هى الطفل المزعج و أنا أدخن سيجاره أمام نافذه غرفتى و بجانبى أغنيه تنبعث من سماعات جهاز التسجيل , مع الوقت أصبحنا أصدقاء فهو يقضى معى ليالى طويله أعانى فيها من البرد و الأرق و مهاجمه الذكريات من حين إلى أخر !

   المطر بالخارج ينهمر بشده و صوت الرعد يكاد يصم أذنى و ينتزع أحشائى , البرق بنوره الابيض يرسمنى على الحائط , يرسم كأئن لم يعرف للراحه موطن ولا للسلام الداخلى جنسيه , ينظر إلى وجهه فى المرأه و يلتقى فى كُل مره غريب جديد يجاهد لكى يستوعب ملامحه , حزنى نشع على هيئتى , أصبح من ينظر إلى يقول لى لماذا أنت حزين اليوم ؟ , ربما تقصد لماذا لست حزين هذا اليوم ؟ , لقد توقفت عن سؤال نفسى هذا السؤال , لم أجد رد و لم أجد من يهتم , بطريقه أو بأخره أصبحت محبوسا فيما مضى , توقف مخى عن أستقبال أى مثيرات جديده لأنشغالها بأشياء قديمه , المضحك فى الامر أننى لم أعد أستطيع السيطره على أى عضو من أعضائى , تفكيرى مشغول بما مضى و عقلى توقف عن العمل و قلبى أنكسرت عصاته و أصبح يزرف مشاعر كثيره أرى أثارها على سريرى كُل يوم عند أستيقاظى من النوم , أما روحى فهى ملك ربى أضعها كُل يوم تحت أرجله لكى يقبلها قبل وقتها , يبقى أنا , ذلك المُتعب , البارد , الانانى , العنيد , الذى يضع النهايات ولا ينتظرها تحدث , نهايات كثيره كتبتها وحدى , وجود أسمى وحده على تتر النهايه يكفى , دور المظلوم لم يعد يليق بى , ما يثير دهشتى أن كُل منا يبكى على ليلى و لكن ليلى لا تبكى على أحد و هنا موطن قوتها !

   ضوء البرق الابيض المتسارع يشبه سياره أتيه من الامام تقلب أنوارها لتحذيرك بأن هناك ردار يلقط السيارات المسرعه و لكن ذلك النور لم ينبهنى بأن هناك من يقف خلفى , يلمع شبحه بزجاج النافذه كلما أضاء البرق الغرفه بنوره , سقطت سيجارتى بعد أن أطفئتها بروده الجو و بكل هدوء نظرت إلى أسفل أستعدادا لرؤيه من سيهاجمنى من الخلف , قبل أن أرفع عينى وجدت أصابع أرجل مطليه بالون لم يترك ذاكرتى يوما , تلك الاصابع المخروطه بعنايه ملك واحده فقط هجرتنى منذ سنوات و تركتنى قطعه أرض خربه غير صالحه للزراعه حاول الكثير أستصلاحها و لكن مراره مياهها الجوفيه جعلتهم يرحلو بلا أمل ولا رجعه , ركبتيها و وركيها و ما بينهم أكد لى أنها هى , تلك البطن الملساء و الخمس نجوم حول سُرتها و نهدين كما الشمس و القمر يدوران بثبات , كيف لا تشعر بالبرد و هى تقف عاريه أمامى ؟ , كيف لا أشعر أنا أيضا به ؟ , لم أنسى تلك الابتسامه المرسومه على شفتيها الان و لم أنسى نظره عيناها الممتلئه بالحنان , لم أنسى أن أقترب منها أكثر و أكثر !

   لم أنسى أن أخبرها عما حدث لى خلال سنوات بعدها و كيف تمنيت قدومها عند كُل مسمار يُدق بقلبى كى تنزعه و تداوى جرحه , فهى أفضل حبيبه يمكنها علاج جرح قلب كانت هى أول من جرحه , هممت بفتح فمى للكلام حتى وضعت يديها التى دائما كُنت أقبلها و قالت بصوتها المبحوح كلام كثير لم أفهم منه شئ بقدر ما شعرت بشئ من السعاده , سعاده أفتقدتها منذ رحيلها عن عالمى , عالمى الذى توقفت عقارب ساعته فى لحظه خروجها , للحظه لمحتنى و انا ممسك بيدى وسطها و سلسله ظهرها كنهر سريع الجريان و شعر يهيم بدلال على كتفيها , لمحتنى و رئيت ملامح أفتقتها فى وجهى منذ زمن , ملامح ذلك الشاب الهادئ الساكن الذى يعيش فى سلام مع نفسه و مع من حوله , للحظه ردت الروح إلى !

   بدون سابق أنذار وضعت يديها على صدرى و همت بتقبيلى و بدون تردد أنسبت كشلال مياه بين شفتيها , أفتقدت طعم التفاح الذى يسيل من بينهم و الشعور بسخونه أنفاسها و التنهيده التى كادت تشق صدرها نصفين , كُل شئ توقف , المطر و الرعد و نور البرق الذى أنطفئ , أساس الغرفه الذى تبخر و لم يعد له وجود , الحوائط الاربعه التى أصبحت بشكل مفاجئ دائريه , الهواء الساخن الذى بدأ يداعب أطرافى و أغنيتها المفضله التى أنطلقت فى المكان , لون الشمس البرتقالى بدء يحل فى هدوء و عوده الحوائط الاربعه مره أخرى و لكن هذه المره حوائط خشبيه و سقف مرتفع على هيئه مثلث يوجد به نافذه ترسل أشعه الشمس فوق سرير يحملها و يحملنى فوقها , يديها تعانق رأسى و أرجلها متشابكه أسفل ظهرى و أبتسامتها و نظره العين الواثقه لم تلمع بهذا الشكل من قبل , أستمر حديثنا الصامت كثيرا كأننا سوف نبقى هنا إلى الابد !

   خلال مراقبه تعابير وجهها و السعاده المرسومه عليه , أغمضت عينها و عضت على شفتيها و أنهمرت الدموع منها ثم فتحتها مره أخرى و هنا أنطفئ نور الارض بغته , من شده الالم فتحت عينى حيث وجدت نفسى ملقى على أرضيه غرفتى و النافذه مفتوحه عن أخرها تطيح بها الرياح يمينا و يسار و المطر ينهمر علىِ حتى أغرقنى , تحاملت على نفسى و على الوجع فى محاوله للقيام لغلق تلك النافذه , بعد غلقها ترنحت حتى الحمام و أفرغت ما فى معدتى و نظرت فى المرأه , وجدتى شاحبا و خلال ثوانى سوف أسقط مغشى علىِ , لم أكمل تفكير حتى شعرت بحجر كبير يسقط على رأسى من الخلف و من بعدها أسود كل شئ !

الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

( 3 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 3


 
   مستلقى على جانبى الايمن بداخل غرفتى المتواضعه , سرير أتساع فرد واحد بجانب الحائط و طاوله بجانب رأسى موضوع عليها جهاز تسجيل كبير نوعا ما أستمع لمحطاته الاذاعيه المختلفه طوال الليل و فوقه نافذه تطل على الشارع و بالجهه الاخرى من الحائط دولاب ملابسى الصامت و فى وسط الغرفه سجاده متوسطه الحجم و شبشب دائما على خلاف مع فرده الاخرى !

   أصبحت كُل يوم أستيقظ من نومى قهرا و ليس كباقى البشر , هذا بخلاف الذهاب إلى الحمام أكثر من مره ليلا , اللعنه على الشتاء و على تلبيه نداء الطبيعه , اللعنه على الوحده و ما تفعله فى مرتديها , اليوم أستيقظت على صوت موسيقاها المنبعثه من شقتها المجاوره لى , أنها الثامنه صباحا موعد نسكافيه الصباح الخاص بها , الثامنه صباحا موعد أستعباطى لرؤيتها أثناء فتح نافذتى كمراهق يجلس تحت منزل معشوقته التى لا تعلم من هو و لكنه يحب الجلوس حتى يراها فقط متأملا جمالها و لكنها لم تكن واقفه كعادتها و لكن الموسيقى كانت تعمل و بصوت ملحوظ , دب القلق بداخلى ولا أعرف كيف خرجت مرتدى قميص مغلق نصف أزراره و بوكسر فوق الركبه لا يثير الرغبه و عينان لم تتأقلم بعد على ضوء النهار , أقتربت من باب شقتها و تركت باب شقتى مواربا تحسبا لهروب سريع قد أحتاج إليه , ألصقت أذنى بين الباب و القائم فى محاوله لسماع أى شئ , فقط صوت الموسيقى بوضوح ولا شئ أخر , أين هى الان ؟! , دائما كُنت أجدها فى معادها واقفه بشرفتها تحتسى مزاجها و تنفخ أنفاسها من صدرها الذى عُلق عليه يافطه ممنوع الاقتراب أو التصوير , هل أصابها مكروه ام تمضى بعض الوقت بداخل الحمام ؟! , الوحده تجعلك تركز فى تفاصيل أى شخص أشائت الظروف أن يكون بجانبك و هى ليست أى شخص أنها شئ يبعث بداخلك الامل و كفى !

   ما الذى أفعله ؟! , و لماذا كُل هذا الاهتمام بشخص لا أعرف عنه أى شئ ؟! , دب الحزن بداخلى دفعه واحده , أبتعدت عن باب شقتها منسحب إلى شقتى بعد ما سمعت صوت الاسانسير يُرفع للدور الذى أسكن به , أغلقت الباب خلفى بهدوء و نظرت من العين السحريه فوجدتها تقف أمام شقتى لثوان شعرت بأنفاسها و كأنها سوف تطرق الباب , كتمت أنفاسى و ساد صمت عميق حتى رفعت خُصله شعرها الحمراء خلف أذنها و لوت شفتيها علامه على تراجعها فى قرار أقتحام حياتى بشكل رسمى , أختفت من أمام العين السحريه و سمعت صوت باب شقتها يغلق على أصبعى , أبتعدت قليل للوراء و كسر الصمت صوت دقات قلبى المسرعه و العرق الذى تكون على جبهتى !

   على كنبتى المفضله ألقيت نفسى و ظللت أفكر , لن أذهب للعمل اليوم , فاليذهب مديرى إلى الجحيم هو و أوراقه و تسلطه و دخان سيجاره المزعج و مديره مكتبه الساقطه , بعد أجراء عده أتصالات لعمل لى أجازه هذا اليوم , قمت أترنح إلى النافذه لكى أشرب سيجاره هى الاولى منذ الصباح , مازالت غياهب النوم تسيطر على فأنا من النوع الذى يحتاج يوما كاملا لكى يفوق , خلال مسحى للشارع الذى أسكن به وجدتها تقف أمام سيارتها المركونه خلف سيارتى و ترتدى ملابس رسميه " بدله نسائى " و إيشارب برتقالى ملفوف حول رقبتها , ربما تعمل فى أحد البنوك المعرفه أو فى شركه من شركات الاتصالات الثلاثه , ألقيت سيجارتى من النافذه و قبل أن أهم فى أرتداء ملابسى لمراقبتها توقفت لثوانى , هل أبدو كأهبل يمثل فى فيلم تجارى أنتاج الثمنينات ؟! , كانت الاجابه نعم , فهى بالتأكيد تعرف سيارتى و سوف تلاحظ تتبعى لها !

  قتلت الوقت تحت أرجلى بين مشاهده التلفزيون و اعداد بعض الطعام و اللف داخل الشقه كنحله تعمل بأجتهاد , أبلغت مجموعه ال " يا " أننى لن أستطيع القدوم ليلا لمجالستهم تظبيط الطاسه , تقبلوا أعتذارى مع تحديد موعد جديد لتعويض التظبيط الفائت فأنت لن تكون مسرورا و أنت غير معتدل المزاج , كان هذا " يا " منهم يحدثنى فى الهاتف و هو أكثر شخص تأخذ منه الحكمه عملا بمقوله ( خُذوا الحكمه من أفواه ال يا ) !

   باقى شهران على الاحتفال بمرور سنه على بقائى فى القاهره , خلال تلك الفتره أنسحبت الاسكندريه من حياتى كأنسحاب المخدرات من الدم , لم أعد أتذكرها كما كان يحدث منذ وصولى , لم أزرها يوما و لم أُلبى دعوه من دعوات أصدقاء حبيبتى السابقه , الألم الذى تسببت فى الاسكندريه لى كان كفيلا بهجرها إلى أخر العمر !

   خلال مشاهدتى لأحد الافلام الوثائقيه , أستوقفنى كيف غرقت سفينه كسفينه " تيتانك " بكل هذا الحجم و روعه التصميم , كيف أستحمل ركابها غرقها و أستقرارها فى قاع المحيط , اكثر من ألف راكب لقى حدفهم غرقا , قطع بحثى فى الامر جرس الباب يعلن عن شخص بقف خلفه , لا يعرف احد عنوانى , ربما يكون البواب يحمل لى عملا و يلقيه علىِ من خلال طريقه كلامه الغير مفهومه , تركت " التيتانك " تغرق بسلام و قمت لفتح الباب حتى وجدتها تقف و عيناها تمسحنى من أسفل إلى أعلى .. توقف قلبى لثوان ثم بعد طرقه عده مرات عاد يعمل مره أخرى . لحظه تمنيتها منذ رؤيتها لاول مره بشرفتها و لكنى لم أعثر على لسانى للنطق بأى شئ .. فقط وافقت على دعوتها للعشاء ليلا !

الأحد، 24 نوفمبر 2013

( 2 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 2


 
   من سيتحدث عنها سوف يدفع غرامه عشره ألاف جنيه و حبس خمسه عشر عاما و تكسير صف أسانه السفلى و أصابته بالعديد من الكدمات فى جميع أنحاء جسده , لا تحاول أن تتكلم عنها أمامه فقد يخرم الاوزون مره أخرى بسببها , بمجرد نطق أسمها يقوم مسرعا ليفرغ ما بداخل معدته خلف سياره مركونه صف ثان منذ سنوات عانق عجلها الارض و سبح فيها و نمت من حولها الاعشاب الصغيره , هذا ما كان يعرفه مجموعه ال " يا " الذين تعرفت عليهم من خلال جلوسى المستمر على قهوه وسط البلد , سريعا أمتلكت قلوبهم و أصبحت صديقهم المقرب و المفضل و لكن لم يدخل أحدا منهم قلبى أو حياتى , ظل بينى و بينهم مسافه شهر من الزمن رغم أننى لو أمسكت مشرط و فتحت قلب أحدهم سوف أجدنى أدخن الشيشه بالداخل و لكن دائما و أبدا المشكله بى , أنا من لا يعرف أن يستريح للبشر سريعا , أنا من يبنى الحواجز و المسافات عمدا و بسبب و بدون سبب , أنا من يزال يتخذ الوحده و الموسيقى افضل صديق , أنا من أصبحت حياته كنتيجه معلقه على حائط يمتلئ بالشروخ يقطع منها كُل يوم ورقه مكتوب عليها حكمه و نصيحه لا أعمل بها , أنا من قرر و صدق على قراره بأنه لن يُدخل أحد حياته , أنا من ينظر إلى سيجارته كثيرا قبل أن يشعل النار بها , أحدثها و أطلب منها أن تغفر لى ما سوف أفعله بها , أنا من أنتقل إلى مكان جديد و أغلق خلفه باب لن يفتحه مره أخرى , حياتى أصبحت كتلفزيون الدوله سنه 1996 الفيلم العربى القديم على القناه الاولى الساعه الثانيه ظهرا و مسلسل السابعه مساءا على القناه الثانيه و نشره الاخبار فى تمام التاسعه و ينقطع الارسال بعد منتصف الليل !

   قطع سردى لحالتى المتوقفه منذ زمن حامل الماشه و راعى الاحجار الكريمه هنا فى القهوه و وهو يضع ولعه جديده بدلا من التى احترق بصدرى , شكرته بعد أن تمنى لى أنفاسا سعيده , ظللت أراقب مجموعه ال " يا " بعين ثابته و عقل فى مكان اخر و قلب توقف عن النبض منذ زمن , دعانى أكثر من " يا " منهم لمشاركه اللعب و لكن كئابه الشتاء كانت تمكنت منىِ !

   بالخارج كانت السماء تمطر , رؤيه القطرات على زجاج القهوه الخارجى ذكرنى بدموع الاسكندريه على زجاج سيارتى الامامى عندما تركتها , كيف حالها الان ؟! , هل مازالت تبكى ام جفت دموعها و نشفت طرقها و دب الجمال بها مره أخرى ؟! , هل أمواجها غاضبه تتلاطم على الشط أم بحرها مازال سعيدا بألوانه الزرقاء ؟! هل هناك أحد مازال يجلس على قهوتى المحببه إلى نفسى أم هجرها البعض ؟! هل شوارعها ممتله و مزدحمه كعادتها بقصص الحب و الغرام ؟! , هل تتذكرنى ؟!

   أنت لست فى حاجه لأجابه لأنك تعرف الرد جيدا , كان ذلك صوت رجل عجوز يستعد للقيام و الرحيل بعد أن حاسب على الشاى و أنفاس المعسل الذى هتك عرض صدره و أخرج أعتراضه على هيئه كحه شرخت حلقه و أصمت لها أذنى , نظرت لخطواته المتهالكه و رده على سؤالى الاحمق , هل تحدث بصوت عالى أم كان يجلس بداخلى و يسمع نحيبى على ما فات , هذه الليله لن تمر بسلام كباقى الليالى التى مضت على جسدى حضور حتى ساعات الصباح الاولى , توقفت عن زرف أنفاس الخوخ و أخرجت محفظتى و حاسبت على القهوه و الاحجار و سنين من العمر مضت , ألقيت السلام على " يا " و " يا " و طلبت منهم توصل سلامى ل " يا " الذى يلبى نداء الطبيعه بالحمام !

   لملمت نفسى و ركبت سيارتى منطلقا إلى شقتى , حييت البواب و لم أنتظر رده الملئ بالطلاسم الغير مفهومه , أمام باب شقتها المجاور لباب شقتى كُنت أقف , أسمع موسيقى لم أعرف لها يوما أسم و لكنها تبعث الهدوء و السلام بداخلى كما يفعل وجهها المتورد كُل يوم صباحا و هى تحتسى النسكافيه , لا أعرف من هى و لا مكان عملها , حتى لم نلتقى صدفه على السلم أو عند أخراج القمامه و لكنى أرها كُل يوم عندما أفتح نافذتى , وجودها كوجود شعاع من النور فى مكان مظلم , لا يكشف المكان و لكنه يبعث بداخلك الامل .. الامل هذا هو ما كُنت أحتاج إليه فى حياتى !

الاثنين، 18 نوفمبر 2013

ربما لم يجربوا الشيشه يوما ما !


   " كان يجى عندى عشر سنين و كنا سكنين فى البيت ده قبل مرات أبويا الله يرحمها ما تطردنا من الشقه , فكره اليوم ده كويس , صحيت من النوم قبل الفجريه , كُنا فى بؤنه , تقولش الشيطان صحانى , لقيت نفسى ماشى ناحيه البحر , كُنت سُخن , سُخن أوى , نار كانت طالعه من جوايا و تلمسها طالعه فى صدرى وجعانى , قعدت على الشط , الهوا كان واقف زى ما يكون غضب ربنا حل على الدنيا , غفلت , يعنى عينى راحت فى النوم , مدرتشى دقيقه كانت ولا ساعه لغايه ما صحيت , بردو الشيطان صحانى , لقيت قدامى أحلى منظر شوفته فى حياتى كلها , شوفت أنسيه , بنت مش عارف , يمكن وليه بتقلع هدومها و بترطش مياه على روحها و بتنزل البحر , قلبى أتخطف , بحلقت , كانت غلطتى أنى بحلقت , قعدت متاخد زى المسحور لغايه ما طلعت و بعد اسبوع , عشره ايام , راح النور "

   مشهد من فيلم الكيت كات لمحمود عبد العزيز

   قام الشيخ حُسنى هو وصحبته لصلاه الفجر بعد جلسه أجتمعوا فيها حول الحشيش و الجوزه و حكايه كيف أصبح أعمى منذ الصغر , أنزلت عينى من على جهاز التلفزيون ال LCD المعلق على حائط القهوه التى كُنت جالسا بها , أحتسى الشاى و بجانبى احجار المعسل التى أنتهى عمرها , جاء حامل الماشه و الراعى الرسمى لهذه الاحجار الكريمه بغيار جديد , أزال القديم و وضعه بجانب أخوته بالداخل و وضع الجديد مكانه و تمنى لى أنفاسا سعيده !

   حاله الجو تميل إلى الكئابه , السماء غير صافيه , ملبده بالغيوم و حابسه دموعها فى كبرياء حتى لا يظهر ضعفها أمام البشر , البشر الذين يحتاجون لمطرها لغسلهم و تطهير أرواحهم و قلوبهم , بحثت بعينى عن القمر فلم أجده , اللعين ذهب و تركنى وحدى جالسا أدخن الشيشه و أحرق ما تبقى من خضار بصدرى , الجميع من حولى مشغولون بما فى أيديهم , لا يوجد فرصه لكى يلتفت أحد منهم خارج حدود طاولته , يوجد من يجلس وحيدا يقرأ الجرائد و المجلات و يوجد من يلعبون الدمنو , الطاوله أو الشطرنج و يوجد من يدعون المذاكره و لكنهم يعبثون بأطراف أيدى بعض و هما فى الاغلب عاشقين , الاثنان يدخنان السجائر بشراهه و الابتسامه لا تفارق وجههم و أخيرا يوجد من يسرد لك ما يراه , يراقب الجميع فى صمت متخفيا وراء دخان أحجاره !

   و حياه امى التى مُستعد أن أفعل لها أى شئ حتى لا تتقدم فى السن لم أكن أعرف أن عند دخول شخص جديد بحياتك يجب أن تمضى على أقرار خروج هذا الشخص فى أى وقت و بأى شكل و أنهاء كُل شئ بدون أن تفتح فمك أو تعلن أعتراضك أو طلب أبداء أى أسباب , الموقف قانونى و كُل شئ صحيح , كمن يدخلون الكليات العسكريه يطلب من الاب الامضاء على أقرار يقول فى حاله توفى أو أصيب الطالب خلال فتره الدراسه , الكليه غير مسئوله عن أى شئ , هكذا دخول شخص حياتك , يعبث بها و يحرك الاشياء من أماكنها و ربما يطرطر فى ركن بعيد ثم يخرج كأن شئ لم يكن و فى نهايه الامر عليك أن تعيد ترتيب الفوضى و أزاله الخراء من كل مكان !

   لا يوجد علاقه خاليه من وجع القلب , حتى علاقتك مع حارس العقار الذى تسكن به و مدى المعناه التى تمر بها أثناء ألقائك السلام عليه ثم يرد عليك بلهجه كلها طلاسم غير مفهومه , ربما يسب لك المله بالغه البلد التى أتى منها و ربما يكون حقا يرد السلام , عندما تقوم بأتخاذ بعض القرارات أو الاقدام على شئ كى تفعله و يعلم الشخص الذى يسكن بداخلك هذه الاجراءات التى سوف تضايقه بكل تأكيد و تعمل على قله راحته , تبدأ هنا المشكله , مشكله فعل أشياء تقلل من راحته و تذهب راحتك أنت للجحيم , هل نعيش حياتنا للاسعاد الاخرين أم أسعاد أنفسنا اولا ؟! , هل نعمل على راحه الغير و نلقى بأنفسنا فى البحر ؟! , هل أنت مجبر على راحتهم ؟! , هل أنت مجبر على معرفتهم ؟! , ليت لهم اهميه فى حياتك كى تحسب لهم الاعتبار و تصون لهم العشره و لكن كُل منا يكذب على الاخر بشكل ما !

   بشكل ما لن يدعك الناس بحالك , بشكل ما يجب ان يضعوا لمستهم السحريه , بشكل ما سوف تأتى سيرتك بأبشع الصفات سواء فعلت شئ جيد أم شئ قبيح , بشكل ما سوف ينتقدونك , بشكل ما سيرفضون تفكيرك و يتهمونك بأنك غريب الاطوار لأنك فقط لا تفعل مثلهم , لأنك فقط لست نسخه مثلهم , لأنك فقط لا تمشى بداخل القطيع !

   صرفت الغضب من عينى و هدئت أنفاسى و أنطفئ حجر المعسل مما سمعه منىِ , يكفى هذا , لدى عالمى أذهب إليه كُل يوما مساءا , أقدى أوقاتا سعيده بصحبه أناس لم يقعوا فى الاختبار , من رحلوا لم يكن نفسهم طويلا , ربما لم يجربوا الشيشه يوما ما !

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

( 1 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 1



 
   على موسيقى تشايكوفسكي فى مقطوعه " Valse Sentimentale " , أخذت أهم قرار فى حياتى البائسه .. الهروب , تغير المكان , أستبدال الاشخاص و الشوارع و الجدران . السير على ارض جديده , أستنشاق عوادم سيارات مختلفه , رؤيه سماء مختلفه و الاطمئنان على حال القمر فى غربته , عاده أندم على القرارات التى أتخذها بشكل متهور و سريع بجانب العامل النفسى الذى يُسهم بشكل رئيسى فى فشخى يوميا بلا رحمه , و لكن هذه المره مختلفه , فقد فاض الكيل بى و أمتلئ الشوال عن بكره أبيه - شوال طاقتى - التى أستنفذت كلها فى أشياء لا تخصنى ولا سوف تصبح لى يوما من الايام , الاسكندريه بشكل ما أصبحت حزينه و كئيبه , او ربما ظالمها بعض الشئ و يكون السبب فى أن حزنى و كائبتى بهتت على شارع ابى قير و الكورنيش و الترام و أسلاكه و مشاريعها البيضاء و التاكسى الاسمر فى برتقالى و احيانا اصفر و قهوتى المحببه إلى نفسى , سوف أفتقدها أكثر من اى شئ أخر و على رائى الفنان " محمد شرف " فى دور " نسيم " بفيلم " أسف على الازعاج " ل " أحمد حلمى " : القهوه دى بتحتوى البنى أدم !

   أنتهت مقطوعه تشايكوفسكى مع أنتهاء حزم أمتعتى , دقائق و كُنت داخل سيارتى أودع الاسكندريه و دموعها تنهمر على الزجاج الامامى , حزنك اليوم يا حيبتى لا يقارن بحزنى ولا بمدى عبوس وجهى لفراقك , سوف أفتقدك و أفتقد السير بشوارعك و الاستمتاع برؤيه البحر سعيدا بالوانه الزرقاء , سوف أفتقد قصص العشق و الغرام التى وقعت بها و نال الاصدقاء جزء كبير منها , فلا يوجد أحدا كبير على الحب يا صغيرتى , يكاد ينفجر القلب لفراقك و لكنى لم أعد أقوى على الاحتمال , فكل شئ جميل بكى بالنسبه لى أنتهى , مسببات الحياه أختفت و رحلت , كُل الاشياء أصبحت ذكرى , فجأه توقفت الحياه منذ فتره , أيقنت عدم حدوث أى شئ جديد , أيقنت أننى يجب أن أذهب من هنا , أنتى جميله , أنتى رقيقه و لكننى يجب أن أرحل .. وداعا يا عروس البحر الابيض المتوسط !

   ألقيت نظرتى الاخيره و أنا على بدايه الطريق الصحراوى حتى انطلقت بكل سرعتى و أبتلعنى الظلام متجها إلى قاهره المعز , طوال الطريق أستمع إلى أغنيه " أهو ده اللى صار " بصوت " محمد المغربى " , لا أعلم من هو و لكن لحن الاغنيه جذبنى بطريقه رهيبه , ما يمثلنى فى هذه الاغنيه هو أسمها " أهو ده اللى صار " , ليس لدى يد فى ما حدث لى مؤخرا أو ما حدث خلال سنوات مضت من العمر و لم تمضى من الذاكره , عندما تسألنى لماذا ؟! , لا أجيب فقط أرفع كتفى و تتدلى شفتى السفله بكل براءه .. فأنا حقا أجهل السبب !

   أمام المنزل كُنت أقف و مازال محرك السياره يعمل , أفكر بجديه فى العوده مره أخرى و لكن خلال تفكيرى سمعت صوت شئ يُكسر و رائحه دخان , هناك حريقه , نعم أنها أسلاك رأسى حرقت كلها من كثره التفكير و صوت الكسر هو صوت عدم رجوعى مره أخرى إلى حبيبتى , قُلت و قال ضميرى فى نفس الوقت : ابدأ حياتك من جديد مازال هناك فرصه , هززت رأسى موافقا على كلامى و كلامه و نزلت من السياره و أخذت كُل ما أتيت به من هناك و صعدت إلى الشقه التى سوف أقضى بها فتره لا تقل و لا تزيد عن , لم أضع توقيتا محددا لرجوعى , مازال عندك أمل يا أحمق تعود إليها , كان هذا صوت ضميرى , اللعين مستيقظ دائما !

   داخل غرفتى أرتميت كمصارع فى جولته الاخيره , منهكا جسديا و مفشوخ نفسيا و ملعون من ألهه الاسكندر , ذهبت فى النوم سريعا بملابسى التى أتيت بها , لم أفرغ الحقائب و لم أرتب أى شئ بالشقه , أندمجت مع الاتربه و خيوط العناكب و الهواء المكتوم و رقدت بسلام , حقا تطيب الحياه لم لا يبالى !

   صباح الخرا يا قاهره .. استيقطت من نومى و صدرى ممتلئ بالتراب من ليله أمس , مددت يدى داخل جيب البنطال الذى أرتدى و أخرجت الهاتف كالعاده لم يتصل احد , لم يشعر احد أننى تركت حبيبتى , رميت الهاتف و حاولت القيام و لكن شئ ما يمنعنى , خيوط العناكب تكفنى بشكل جيد ولا الفراعنه فى زمنهم , بعد العديد من المحاولات الدبلوماسيه , أستطعت أن أقوم من على السرير , نور الصباح يخترق الشبابيك و النوافذ مكون خيوط متتاليه على ارضيه الغرفه الخشب و بداخلها تتراقض الاتربه , ظللت أترنح حتى وصلت إلى الحمام , اخذت دش سريع و أستبدلت ملابسى و فتحت جميع نوافذ و شبابيك الشقه , حتى وجدتها تقف بنافذه الشقه التى بجانبى تحتسى نسكافيه الصباح و تنظر إلى الغريب الذى أعاد فتح شقته مره اخرى .. هل أبتسمت أم خيوط العناكب مزالت على عينى ؟!

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

الحل رومانسى !


 
   هل أخبرتك يوما عنها ؟! , هل تعلم أن من يُحب يريد أن يحكى للجميع عن محبوبته و عن مدى حُبه لها و كيف أنه أختار ملكه جمال الكون ؟! , هل رأيت عينه التى تلمع عندما يتذكرها أو عند مجئ سيرتها ؟! , هل شاهدته و هو سعيدا فرحنا كأنه أمتلك الكون كُله ؟! , هل بحثت داخل هاتفه عن رسائلها الكثيره و صورها ؟! , هل شاهدت خواطره التى تملئ كشكول دراسته ؟! , هل رأيته شاردا بعيدا يبتسم بدون وعى ؟!

   هذا هو العاشق هذا هو أنا عندما أحُب !

   لم يكُن سمعها جيدا , عندما كنا نجلس معا , كُنت أقترب منها كثيرا حتى أستطيع أن أوصل كلامى و حديثى بصوره واضحه و صحيحه , أراقب تعابير وجهها عندما تصل إليها الكلمات و تفهمها بشكل جيد , أتساع فى عيناها ثم تورد خديها و أبتسامه تفضى إلى ضحكه عاليه , تعلمت لغه الاشاره من أجل تواصل أسهل و أبسط لانها كانت تكره أرتداء سماعه الاذن و كانت تفضل أن تعيش فى عالم هادئ و صامت , ما جعلنى أتعلم لغه الاشاره هو موافقتها على نظريه العالم الهادى الصامت و لسبب أخر و هو عدم قربى منها كثيرا أثناء حديثا كشاب سيس يثبت موزه , لست شاب سيس و ليست هى موزه .. هى أنثى جميله !

   أكثر أحديثنا كانت خلال مواقع التواصل الاجتماعى , و لكنى دائما كُنت أفتقد إلى صوتها الساحر و تعابير و جهها عندما تستوعب كلامى , خديها المحفور عليهم نغزتين و بشرتها البيضاء , عيناها الفرعونيه المتمرده و أنفها المرسوم بشكل لم تحظى به فتاه من قبل و لن تحظى , أبتسامه لا تمحى من الذاكره و رائحه عطر هى الاقرب إلى قلبى , عاشقه لماجده الرومى و خاصه بأغنيه "حبيبى" , ذوقها فى أختيار ملابسها دائما و أبدا يعجبنى و يأثرنى , حتى لو سيارتها التويوتا الحمراء موديل سنه 2004 , عصبيتها عند القياده و مهاره سب و لعن سائقى السيارات الاخرى بالكلاكس و تقليب الانوار , شعرها قصير و لم أكن وقتها مُغرم بالشعر القصير حتى وقعت فى حُبها , أحيانا كثيره أعرف ما تريد قوله من نظراتها و عيناها , تتناول طعامها و هى تنظر بداخلى عينى , تبتسم و تتفحصنى كجهاز أشعه فى غرفه طوارئ بمستشفى عسكرى , أحيانا تصيبى بالأرتباك و الحيره , صمتها الكثير يسبب ألما لى , أخشى أن تكون فى عالم أخر غير المكان الذى يجمعنى بها , تختفى أوقات كثيره و ترجع أوقات أخرى !

   أعترفت بحبى لها عن طريق لغه الاشاره , يومها طلبت منىِ ان نلتقى امام المكان الذى أراها فيه , لا تدخل , تعال بسيارتك المحببه إلى قلبى و أنتظرنى هناك , عند غروب الشمس , لا تتأخر , رسالتها كانت مقتضبه و قصيره , بدأت الهواجس تملئ رأسى و تدور كطائره تحرق بنزينها أستعداد للهبوط على مطار غير مؤهل , أقتربت بسيارتى حتى وجدتها واقفه مستنده على سيارتها مشعله سيجاره و تلتهمها فى توتر بمالغ فيه , الامر لا يبشر بخير , أوقفت سيارتى فى مواجه سيارتها و اقتربت منها بهدوء مصتنع فبداخلى توتر يكفى العالم كله و يكفى ليصدر للكواكب الاخرى , أشعه الغروب البرتقاليه أضافت على وجها الكثير من الجمال و الجاذبيه , هواء البحر أيضا ساهم فى لمسه جماليه سريعه , هذا المكان و تلك الساعه لا تبشر إلا بشئ رمانسى و لكننى بطل العالم فى الحظ السئ , يمكن أن تخبرنى العكس و تختفى هذه المره بدون رجعه , أطفأت سيجارتها تحت أرجلها و نظرت إلى كثيرا حتى أننى توقفت عن عد الثوانى بداخلى , اليوم تضع سماعه الاذن , إذا هى تريد سماعى جيدا , هناك شئ لا أعلم ما هو , من كثره خوفى و رهبتى لما سوف يحدث وضعت يدى متشابكه خلف ظهرى حتى بدأت هى فى الاقتراب و أصبحت فى مواجهتى , العين أمام العين و الانف تلامس الاخرى و الفم يترقب الفم !

      لا تتحدث إلا بالغه الاشاره !

   كان هذا طلبها و ما نطقت به , نزعت سماعه الاذن و ألقتها هى و علبه السجائر داخل السياره مع الهاتف , خلعت ساعتها و ألقتها هى الاخرى داخل السياره , رجعت خطوه إلى الخلف و مالت برأسها ناحيه اليمين و ضيقت عيناها , أخذت نفس عميق و قالت ...

   - أريد أن أختفى لفتره ولا اعلم متى سوف أعود !
   
   هل قُلت أننى بطل العالم فى الحظ السئ من قبل ؟! , نظرت لها ماليا ثم نظرت ناحيه المكان الذى نجلس فيه و قلت دون أن أنظر إليها ...

   - ليه ؟!
   - .....................
   - .....................
   - .....................
   - .....................
   - تمام , أتفقنا
   
   لك أن تتخيل ماذا حدث فى هذه الاسطر الاربعه , ربما تكون بعض الكلمات القليله و ربما تكون مجادله عنيفه و ربما تكون صمت , انتهى كل منا من حديثه , كل منا قال ما بداخله و صارح الاخر بمشاعره , لم أقل لها أُحبك و لم تقولها لىِ , بقيت تلك الكلمه بداخلنا لكى تعبر عنها نظراتنا و الابتسامات الخاطفه و حركه الايدى و المسافات , أحترم كُل منا رغبه الاخر بعدم التقيد بالوعود و الامال التى لن تتحقق , أتفقنا على الوصال و عدم الهجر , أن نكون معانا , نجلس جنبا إلى جنب و بداخلنا شئ جميل لم يلوث عند نطقه , يظل يذهب و يأتى , يشعرك بنشوه و فرحه و سعاده , يجعلك دائما متأكد , لست خائفا من النهايه ولا تفكر فى حلول بديله , تلعن الوحده مئه مره , تراها تبتسم لك على سقف غرفتك , صوتها المبحوح يسكن بداخلك و يتحدث معك أثناء الليل , أتفقنا على السعاده الابديه و الاندماج , أتفقنا على ممارسه الحب الافلاطونى , كعادتها , أتسعت عيناها و تورد خديها و ظهرت نغزتيها المحفورتين فى قلبى , من فرط السعاده  هزت راسها فى رضا و أرتاح قلبى , لثمتنى بقبله على خدى الايمن و أمنت على خدها الايسر بواحده , أخذت سماعه الاذن من سيارتها و أرتدتها مره اخرى لكى تواصل وصله سب و لعن سائقى السيارات الاخرى , فتحتت لها باب سيارتها الحمراء حتى ركبت و نظرت إلى قائله بداخلها .. أُحبك !

   بادلتها نفس الرد بداخلى و ذهبت إلى سيارتى , حين أختفت الشمس و أنطفأت الارض بغته !

   لن أخبرك عن طفولتها عندما تعلقت برقبتى فى وسط الشارع , ساعه الغروب أمام المكان الذى دائما نجتمع به , حقيقتا لم يلاحظ احد شئ لان ذلك الحدث السعيد كان وقت الافطار , تاسع أيام رمضان !

   لم يكُن سمعها جيدا , عندما كنا نجلس معا , كُنت أقترب منها كثيرا حتى أستطيع أن أوصل كلامى و حديثى بصوره واضحه و صحيحه , أراقب تعابير وجهها عندما تصل إليها الكلمات و تفهمها بشكل جيد , أتساع فى عيناها ثم تورد خديها و أبتسامه تفضى إلى ضحكه عاليه , لا يوجد شئ أفضل من حُب يأتى بعد صداقه طويله ,حُب تعلم بوجوده و لكنك لا تصرح به , أصبحت أمسك يديها بسب و بدون لانها ببساطه أصبحت ملكى وحدى , سمعها الضعيف , شعرها , كلامها القليل , أنفها المرسوم , عيناها الفرعونيه , شفتاها التى سجلت عليها أمضاء حضور أكثر من موظفى الحكومه , رسمها على السجائر التى تشربها , رباط حذائها المفكوك دائما و طلبها لربطه فى دلال , طلاء أظافرها , خديها و النغزتين , أصبحنا نتنقل فى سياره واحده , سيارتى المحببه إلى قلبها و نجتمع ليلا نبحث الاسرار الكونيه من حولنا و نناقش بعض الاسئله الوجوديه , ننظر إلى النجوم فى السماء و نعدها و نتوه ثم نعدها مره اخرى و نتوه إلى أن ترتمى بين يدى , أعبث بخصلات شعرها الناعمه و خديها !

                                               زياد برجى .. احتريتك  

 دائما و ابدا .. الحل رومانسى !

الجمعة، 18 أكتوبر 2013

سيده الدار !


   
   تلقيت الرد كرصاصه تخترق صدر مواطن بسيط يُطالب بالحريه فى ميدان التحرير , يسقط على الارض دفعه واحده و ليس على مراحل كما يحدث فى الاقلام , ملقى على جانبه الايمن و بداخله رصاصه , إحساس رائع عندما تلفظ أخر أنفاسك أمام عدسات الكاميرات و وسط مراسلى وكالات الانباء المحليه و العالميه , اليوم يوجد شهيد جديد , شهيد الحريه !

   الرد : ضباط و عساكر و مدرعات الامن المركزى و أسلحتهم و الرصاصه التى أصابت صدرى !
   الحريه : الحُب !
   المواطن البسيط : أنا !

   دعك منىِ الان , فكل شئ سوف يتم كما هو مُخطط له , سوف تنقلنى سياره الاسعاف إلى أقرب مستشفى و من هناك سوف يتم تزوير التقرير الطبى و يُكتب به , توفى نتيجه محاولته أبتلاع لفافه بانجو و لكنها أدت إلى أختناقه و ما يوجد فى صدره مُجرد ندبه صغيره وُلد بها و تعايش معها حتى حدث ما حدث , يصدر لى قرار بالدفن و تخرج جثتى من المشرحه وسط صراخ الاحباب و المتضامنين , صندوقى الخشبى يتوسط مسيره تهتف بالقصاص لى و لحياتى التى أنتهت , تجوب شوارع و ميادين و حارات ضيقه , الجميع رافعا صابعه يقرأ الفاتحه على روح من ذهب و لن يعود .. تحت الارض ينتهى كُل شئ !

   فى عالم موازى يوجد فتاه , تعيش فى النصف الاخر من الكره الارضيه  , النصف الذى تظلم فيه الشمس هنا و تضئ هناك , النصف الذى لا يوجد به رصاص يستقر فى صدور العشاق المطالبين بالحريه .. حريه حبهم , النصف الذى يحترم الانسان قبل حقوقه , النصف الذى يأخذ كل شئ ببساطه ولا داعى لتعقبد الامور أكثر من ذلك !

   بعد ساعه و ثلث بدأت أكتب مره أخرى , أدونها بعد أن أستحضرتها فى خيالى و طرد روحى منىِ لكى تسكن روحها , أشعر بها و بكل تفاصيلها , أغمضت عينى و بدأت أتنفس , الان أراها قادمه , ليست قادمه نحوى ولا نحو أى شخص من من حولى , فالمكان شديد الاتساع و السماء صافيه و كل شخص مشغول بشئ , من يقرأ جريده و من يكتب و من يعزف على ألته و من ينظر بساعه و يلتفت يمينا و يسارا فى انتظار شخص اخر , يوجد من ينظر إل السماء و بعدها ينظر إلى الارض فى أسف شديد كمن فقد شئ عزيز و يوجد أنا , أنظر إليها هائمه لا تعرف إلى إين تذهب , ترتدى كأنها لا ترتدى , لا اشعر بوجود ملابس تستر مفاتنها كما اننى لا أشعر بها خجوله , تكاد تكون واثقه من خطواتها كأنها هائمه بمزاجها , تريد أن تضيع داخل هذا المكان الساحر للحظات او لدقائق ثم تعود من حيث أتت , شعرها الغجرى الطويل تمسك بأطرافه و تلفها على أصابعها المنمقه , اين رأيت تلك الانامل من قبل ؟! , توارد خديها و شفاه ترسم الابتسامه رغم الحزن الدفين الذى يسقط من عيناها و يترك بقع سوداء على الارض , تحررى يا حبيبتى من الحزن و أزرفى دموعك السوداء , عيشى الحياه سعيده وحدك او مع حبيب محمودا او خالدا و أتركينى من بعيد أتأملك حتى تأتى من تأخذنى او يلقى حدفى , ايهما أقرب !

   مازالت تدور بالمكان و مازلت أراقبها و بؤبؤ عينى يتسع من جمالها حتى كاد ان يخرق عينى كلها و يزيل بياضها , الرياح تسير بسرعه سياره ملتزمه بقواعد المرور 90 كليومتر و النقل الثقيل يلزم اليمين منعا للحوادث و الاصابات و لكن قلبى قد انقلب على سرعه 160 كيلومتر بالساعه من شده تعلقه و حبه لها , أنوثتها تدرس فى معاهد التجميل لكى تأتى كل قبيحه طامحه فى الجمال لترى من ستكون مثلها بعد عده عمليات فاشله , لا يوجد احد مثلها حتى إن لففت العالم كله بسيجاره حشيش مغربى مقطر بزيته أو زجاجه "Meister" بداخل ثلاجه ترتجف من البرد و لكن كلما تقترب تهدأ الرياح و يبدأ الدفئ فى احتلال المكان , دفئها و سخونه يديها الدائمه !

   أدركت عيناها و الرسمه التى حولهم , رسمه فرعونيه قديمه , رسمه أفقدت كليوبترا و حتشبسوت ملكهم و أغرقت مراكب تحتمس الثالث فى مياه النيل , الاله العظيم , النيل الذى كان يحظى كل عام بجميله من جميلات مصر , هى واحده منهن و لكن لن أسمح لهم بأخذها و ألقائها فى مياه النيل , أنا أحق بها منه , عينان تقطر "Chivas" مشروبى الحكولى المفضل , الامور تخرج عن السيطره , الجميع من حولى مشغولون بما فى أيديهم و انا وحدى أرقبها , لماذا لا يراها احد سواى ؟! و لماذا حتى الان لا ترانى ؟!

   لن اظل قابعا بمكانى , بدأت اتحرك نحوها و بدأت أحس انها تلتفت لى , الان بدأت تهتم , نظرت إلى ِ و تورد خدها أكثر و أشتعل أحمرارا , عضت على شفتيها و اضاقت عيناها قاصده اخافتى او ربما خُيل لى هكذا , أقتربت حتى شممت رأئحه زجاجه متوسطه الحجم مرسوما عليها عين حدقتها خضراء و رموشها من الفضه تشع حولها كأشعه الشمس , تحتوى سائلا اخضر و تحمل اسم "La Fee Veret - Absinthe" الجنيه الخضراء , نكهه اليانسون +68 % كحول , كانت هذه رائحتها , رائحه تأخذك إلى عالم أخر غير العالم الذى انا به الان , لن أمر من هذا المكان من دون تقبيلك و تذوك كحولك المذهب للعقل و الدين !

   اشاحت بنظرها بعيدا و مزالت تبتسم فى دلال , ظلت على تلك الحاله لثوان قليله كأنها تقول لى أنظر ألى حيث ما أنظر , سوف تجد ضالتك هناك , أدرت رأسى و بدأت أنظر و جدتها هناك و انا بجانبها , أتفقدها كمسئول جمركى يتفحص بضاعه قادمه على سفينه لم تغرق بسلام و اتت سالمه , انها سيده الدار تدندن أقتربت منها و الدم رمال ثائره بداخل شراينى , رأيت منقوش على وركها ورده متعدده الورق و ضفيره شعر سوداء فاحمه تتلوى بجانبها حول ساقين خرطا بعنايه , لمحت ابتسامتها ثم رأيت يدها تمتد نحوى و رموش كالسيوف فوق عينين هما الحياه لا جدال !

   أضجعت بجانبها كالاستسلام لملاك الموت , ابتسمت ابتسامه ساحره و هى تستعرض الورده التى على فخدها , هممت فى تقبيلها حتى سمعت صوت فرقه عاليه كصوت رصاصه تطلق , شعرت بتنميل ملئ جسدى و بقعه دماء على ملابسها , نظرت أليها و هى واقفه بجانبى و مازلت مبتسمه , قلت لها لقد اصبت هناك , هناك من اطلق النار علىِ , بدأت تحرك رأسها فى هدوء و الابتسامه تعلو وجهها , وضعت يديها على صدرى , نظرت وجدتها ممتلئ بالدماء , اللعنه الطلق طالنى و لم ينجنى رب العرش !

   خارت قواى و وقعت على الارض , رحلت سيده الدار و تركتنى غارقا فى دمائى , شهيد جديد .. شهيد الحريه !

الأربعاء، 16 أكتوبر 2013

وحدن !


   ملحوظه : كُتبت هذه التدوينه على صوت السيده فيروز بأغنيه "وحدن" !

   قبل أن أسرد ما حدث , أريد كتابه بعض الاشياء ...

   _ يُسجن العصفور بذنب الجمال !
   _ قل للغياب نقصتنى , و أنا حضرتك لأكملك .. "محمود درويش"
   _ إكرام الجرح تجاهله .. "مشارى عبدالرحمن"
   _ و بعدك على بالى يا حلو يا مغرور !
   _ كُن لى غريبا فالأحبه يرحلون !
   _ هو يفكر أن يكتبها فى روايه , و لكنه يغار أن يقرأها غيره !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى , جعلنى اُعد نفسى لهذا اللقاء الساحر , بعد غياب سنوات و نسيان ملامح حفرت داخل قلبى و لكن عوامل التعريه و النحت قد أزالتها , صوت دافئ و نغج أنثوى عند نطق حرف الميم و النون , جسد مشدوده أوتاره حتى ان لمسته يعزف وحده مقطوعه من تراتيل السماء , منحنيات قاسيه تحطمت عليها قلوب كثيره , مزارات و كهوف دخلتها وحدى , تركت بصمتى هناك على صخورها , تذوقت شفاه بطعم التفاح و مرات كثيره أشتعلت قميصى من نار كامنه بصدرها ...

   مشاهد سريعه ومضت داخل عقلى لاخر لقاء كان بيننا , لقاء كُتب فيه نهايه واقعيه لقصه غير واقعيه , يومها لم انطق بكلمه واحده , يومها لم يكن مسموح لى بفتح فمى , يومها وقعت على قرار سجنى و تنفيذ الاشغال الشاقه , السير فى صحراء وحدتى حتى يظهر لى صاحب , حتى الان لم يظهر احد !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى , اليوم ذاهبا إلى حفله دعانى إليها احد المعارف , حفله صغيره داخل مكان مُعد خصيصا لتلك الاشياء , أراك شاردا , عيناك زائغه دائما , فشلت كل فتيات العمل أن تقتحمك و تعرفن سرك , سر صمتك و سكونك المبالغ فيه , وحدتك و أنطوائك , انشغالك بالعمل و تجاهل من حولك , هاتفك الذى لا يرن و جلوسك معظم الوقت داخل منزلك , هل تعلم اننى لا اعرف لون أسنانك ؟! , لم أراك تبتسم أو تضحك يوما .. كان هذا زميلى فى العمل يحاول أقناعى بالمجى مساءا لحضور تلك الحفل , كفى تحليلا لشخصيتى فأنا أعرفها أكثر منك , كفى زن سوف أحضر !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى , باقى على موعدى أقل من ساعتين , الحضور رسمى برفقه فتاه , مشكله ليس لدى واحده , زميلى حلها و قال ان يوجد من تكون فى انتظارى , اسلوب رخيص و لكنى اريد كسر وحدتى على كل حال , وقفت أمام دولابى الصامت و اخرجت بذله رماديه اللون و قميص أبيض و كرافت حمراء اللون , سريعا ارتديتها و بقى مشكله ربط الكرافت , جاهدت كثيرا لكى تعلمى كيفيه ربطها و لكنى لم اتعلم يوما لشرودى داخل عيناها السوداء , الان انا ادفع الثمن , ارتديت حذاء الاسود و ساعتى و وضعت عطرا اهدته لى يوما و حددت ذقنى و نزلت ممسكا بلعنتى الابديه , قبل ان اصعد إلى سيارتى أوقفت أنسه فى ال 25 و طلبت منها ربط ذلك الشئ الاحمر حول رقبتى , تفاجأت من طلبى و لكنها ارتاحت لهيئتى التى توقفت منذ زمن عن أشتهاء النساء , أخذتها من يدى و قامت بربطها على عنقها , عاده تفعلها جميع النساء المتزوجات حديثا ثم ناولتها لى , شكرتها كثيرا و لبستها كخذوق سليمان الحلبى و خلال ساعه كُنت داخل المكان المتفق عليه !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى , المكان صغير بعض الشئ , تنزل له درجتين اسفل الرصيف , الاضاءه الصفراء و الحمراء تملا المكان و الموسيقى الهنديه تبعث الاسترخاء فى النفوس , جو مكتوم بعبق الكحول و شعائر البيره الخضراء , سريعا تأملت المكان و من فيه , الجميع رسمى بذل و فساتين قصيره , طويله , عاريه , جميع المقاسات و الاحجام , جلست على طاوله هى الاقرب إلى الباب لكى أهرب عند شعورى بالملل و الاختناق , أتت إلى صديقه زميلى فى العمل و فى يديها كأس به سائل أصفر , هل أخبرتها والدتها و هى صغيره أن لا تشرب شئ أصفر يعطى لها شخص غريب , تحدثت معى فى هرى نسائى فارغ حتى قاطعتها متسائل عن زميلى , اين من ورطنى فى هذا المكان ؟! , يقوم ببعض الاشياء , كانت هذه اجابتها , تركتها تحتسى مشروبها و ظللت أتأمل الناس من حولى !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى , قامت صديقه زميلى من جانبى تعبس بكأسها فى محاوله لأعاده الحياه له مره اخرى , بدأت الحفله و بدأت الموسيقى تتغير , الجميع يرقص لا تعرف من مع من , موسيقى سريعه عاليه , تحسك على الرقص و لكنى فقدت الرغبه فى اشياء كثيره و منها الرقص , ازداد مؤشر الحزن بداخلى , لم أعد اتحمل اكثر من ذلك , لماذا شعرت بها اليوم صباحا ؟! , هل عُدت أخرف مره أخرى ؟! , الامور أنتهى منذ سنوات , كيف أتذكرها حتى الان ؟! , من فرط غيطى كدت ان اكسر ضرس من اسنانى , اخرجت هاتفى اعبث به لا اراديا , اقلب فى صورها التى مازلت محتفظ بها حتى الان , حتما تغير شكلها الان , ازداد جمالها , بكل تأكيد , فأنا اعرفها أكثر من اى شئ اخر , لدى مرجع لكل جزء فى جسدها لم اكف عن مذاكرته كل يوم و لم أمتحن فى حتى اليوم , اريد الرسوب و الرسوب حتى أحفظه عن ظهر قلب , بل انه محفور بذاكرتى التى مسحت كُل شئ و ابقت على تفاصيلها !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى , اسكت الصراخ الذى برأسى و نحيبى عليها و هممت بالرحيل حين استوقفنى زميلى و طلب البقاء لساعه اضافيه , كدت ان ألكمه فى وجهه الصدغ لبرود اعصابه , يا رجل انت لديك صديقه سوف تقضى معها وقتك , ماذا تريد من شخص انتهت صلاحيته منذ زمن و يتحرك بقوه الدفع , فقط اريدك ان تبقى , قالها و تركنى , اختفى وسط كتل اللحم الابيض التى تتمايل امامى كمن يعانى من ألم فى الامعاء !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى , ساعه , هو قال ساعه واحده فقط , لو طلب اكثر من ذلك سوف يلقى حدفه على الفور برقبه زجاجه بيره فارغه , مرت الساعه فوق قلبى كقطار قشاش لا يصلح للاستخدام الادمى , راقبت فيها من يهمس فى اذن واحده يطلب منها ان يختلو معا بعد انتهاء الحفله و هى تبتسم موافقه .. ساقطه , و هناك من يداعب من يرقص معها خوفا من العادات و التقاليد , يريد ان يرتكب معها الفحشاء و لكن ضميره مستيقظ بطريقه بشعه و هى تقبل مداعبته فى محاوله لأخماد حرائق مشتعله بداخلها , سوف تظل النفس البشريه لغز ليس له حل !

   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى ...
   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى ...
   اليوم أنتابنى شعور أننى سوف أراها , شعور قوى سرى داخل جسدى و تمكن منى ...

   فى محاوله لقتل الملل ضربت عينى تجاه الباب ارى من يدخل و من يخرج حتى وجدت فستان أسود قادم يحمل بداخله أنثى كنت و مازلت ابحث عنها حتى وجدتها , ملفوفه الجسد , تعتلى كعب و تنظر فى استيحاء تبحث عن شخص لو رأته سوف تتغير تعابير وجهها , تعابير احترق شوقا لرئيتها , تسمرت فى مكانى و بدا العرق ينهمر من جبينى , ألتصق قميصى بى خوفا من رهبه الموقف , أتانى احساسى اخر ليله اجتمعت بها , اريد ان اختفى , اتبخر , تأتى صاعقه تضربنى و تتركنى محروقا , لملمت ساعتى و هاتفى و مفتاح السياره و أنخرط داخل التجمع الذى لم يهدء للحظه و مازال يرقص , اختفيت حتى تأكدت انها بعدت عن طريق الخروج , خطوه ثم خطوه ثم الثالثه وجدتها امامى !

   تنظر بحنيه ام تحتفل بمولد ابنها الاول , , ترقرقت عينها بالدموع و اقتربت لمسافه شهر من الزمن , ارتمت فى حضنى ام انا من ارتمى , لا اعلم , تركت الموسيقى تتخلل جسدى و ذوبنا بين البشر .. 

وحدن بيبقوا .. متل زهر البيلَسانْ
وحدهُــن بيقطفوا .. وراق الزمــانْ
بيسكروا الغابة ..
بيضلهُــن متل الشتي يدقوا على بوابي 

يازمــــــــان .. يا عشب داشر فوق هالحيطان 
ضوّيت ورد الليل عَ كتابي 
برج الحمام مسوَّر وعالي 
هَجْ الحمام بقيت لحالي 

يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا 
صَـــرّخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا 

وحدن بيبقوا متل هالغيم العتيق 
وحدهُـــن وجوهُـــن وعتم الطريق
عم يقطعوا الغابة ..
وبايدهن متل الشتي يدقوا البكي وهني على بوابي .
يازمَــــــــانْ ..
مــن عمــر فَــيّْ العشـــب عَ الحيـطــــان
من قبل ما صار الشجر عالي 
ضوي قناديل وبنطر صحابي 
مرّوا وفلّوا بقيت عا بابي لحالي

يارايحين وتلج ما عاد بدكُن ترجعوا 
صرخ عليهُن بالشتي ياديب بلكي بيسمعوا

الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013

المشهد الثالث و الاخير !


    اليوم الثانى بعد عملتى السوداء , لا أشعر بشئ , ليله أمس كانت مليئه بالاحلام المفزعه و الكوابيس , ليله هربت فيها كُل جينات الذكاء منىِ و بقي الغباء فقط , ليله رأيتها فيها تقتلنى بسكين تلمه , تعزلنى من الحياه , تحفر قبرى بيديها , تلعن و تسب شجره عائلتى , تندم على معرفتى و على اليوم الذى جمعها بى فى مكان واحد , ليله تعديت فيها حدودى , أعتليت سور ليس من حقى , رأيت أشياء لم يكن يجب أن أراها .. ليله وقعت فيها على جذور رقبتى و سمعت صوت كسرها بأذنى !

   ليلتها حاولت أن أستجدى عينى لكى تزرف بعض الدموع على فعلتى و لكنها لم تستجب , لم يأتى موعد الندم بعد , النحيب و الصراخ على ما حدث , الشعور بالحرائق تندلع , تأكل صدرى بما فيه من رئتين و قلب طعن للتو بخنجر مسموم , أنا من طعنت نفسى هذه المره عملا بمقوله : أفضل علاج لقلب محطم هو أن يتحطم مره أخرى !

   قارب اليوم على الانتهاء و مازلت لا أشعر بشئ , لا يوجد حزن , لا يوجد صمت , لا يوجد رغبه فى السير فى الشوارع كمن فقط بيته فى زلزال 92 ولا يوجد مكان يذهب إليه , لا يوجد رغبه فى البكاء كأى إنسان لديه أحساس , على الأرجح هذا تأثير الصدمه , صدمه غبائى و تهورى و عقلى الذى أتخذ من هذه الليله المشئومه أجازه بدون مرتب و جعل قلبى يمسك بزمام الامور حتى لقى حدفه تحت عجلات المنطق و صوت العقل و الدين !

   كُل شئ أصبح سريعا من حولى , عقارب الساعه و هاتفى الخاشع فى هدوء و نسك الرهبان , عينى تدور فى كل أتجاه بسرعه دوران الكره الارضيه حول نفسها و حول الشمس , صومعتى المحببه إلى قلبى التى أعيد بنائها مره أخرى , أنفصالى عن العالم الافتراضى و كل مواقع التواصل الاجتماعى , فقدان الرغبه فى أشياء كثيره .. فقدان الرغبه فى الاستمتاع بالحياه !

   قريبا جدا سوف أستمع إلى صوت أشياء تُكسر بداخلى , أشياء جاهدت سنوات لكى أعيد تصليحها و لكن "أمير" ثمنه جنيه و ربع لن يتحمل ما سوف يحدث , هذه المره سوف ألقى الاشياء التالفه عملا بنفى مقوله : اللى أتكسر عمره ما يتصلح , سوف أبحث عن أشياء جديده تصلح لى و ابدأ معها رحله جديده و سوف أجاهد ألا أعرضها للكسر فأنا أعرف نفسى .. أحمق , متهور , مهمل فى حق نفسى !

   فى أنتظار الاصعب , فى أنتظار الايام السوداء !

   أصبحت الان الثانيه عشر بعد منتصف الليل , ليل الاسكندريه الساحر , موطن الاحزان و الذكريات , واقفا بالنافذه أستجدى بعض نسمات الهواء البارده لعلها تخفف حراره رأسى , أدخن السجائر واحده تلو الاخرى و بجانبى كوب قهوه هو الاول منذ الانقطاع عنها لمده طويله بأمر من الطبيب المعالج , فاليذهب الطبيب إلى الجحيم و صدرى معه !

   هل أخبرك سرا صغير عنىِ , أنا من عاش مراهقه خصبه و نسج بخياله احلام ورديه جميله , كُنت أتغذى عليها يوميا مع الاستماع إلى الموسيقى , حقا , فالموسيقى غذاء للروح , أنا من يقف دائما فى وجه قطار لا يعرف الوقوف أو أتوبيس نقل عام هذه ليست محطته , أملا ان يوقفه بمجرد لمسه و لكن الحقيقه هى أننى دائما أجد نفسى تحت عجلاته !

   رائحه الغسيل المنشور تملا الهواء , رائحه عشقتها منذ صغرى هى و رائحه الخشب المحروق التى دائما تهيج جيوبى الانفيه عند أستنشاقها , طموحى فى العلاقات العاطفيه كان دائما و مازال طموح بسيط , أحب فتاه واحده فقط , لا ارى سواها و اكمل معها الحياه , أمنيه تمنيتها فى مراهقتى و أستجاب الله لىِ , حصلت على الفتاه و على الحب و لكن لم اكمل و رائت هى غيرى كثيرون .. هل عند دعوتى كُنت لا أنظر إلى الشرق !

   كشف حساب يتم فتحه عند كل مصيبه اقوم بها , كبطاقه ائتمان لم يتم تسديد اقساطها , جروح لم تغلق و نزيف مستمر , الهيئه تقول انه معاف من كل شئ و لكن الاشعه الداخليه تقول انه ينتهى الان , فقط بضعه ايام , شهور , ربما سنوات و ينتهى الامر , كما تنتهى السجاره التى سلبتها روحها و تركتها رماد فى الهواء و عقب محترق مرمى من الدور العاشر على سقف سياره فيات 128 حمراء !

   لن أخبرك عن صدرى الذى سوف يزيد اشتعالا بسبب فنطاس القهوه الذى تجرعته دفعه واحده و لن أخبرك عن معدتى التى سوف أفرغها فى الحمام بعد دقائق من الان و لن اخبرك ايضا عن الحزن الذى سوف يصيبنى بعد كل هذه الاشياء , تجدنى مستلقى على كنبه الصاله ظهرى يلامس بلاط الارض من كثره الالم , احدق بالسقف اعد مربعاته قتلا للحاله التى أشعر بها الان , تمتلئ عينى بالدموع !

   حان الان موعد الندم على حماقه ليله أمس .. ارجوك تمنى لى ليله سعيده حتى لو كذبا !

   بدأت الدموع تنهمر من عينى كصنبور ماء لا يوجد بداخله جلده تحبس قطراته , وقتا طويلا أغرقت فى ملابسى و كنبتى و جزء من السجاده , بكاء لا يتوقف و دموع وجدتت طريقها على وجهى المتيبس , لا يوجد أنفعال ولا جبين مقتضب ولا جز على الاسنان من فرط الالم .. انا انهار داخليا كأنهيار برجى التجاره العالمى يوم 11 سبتمبر , يوم بكت البشريه على ضحايا و بكيت انا على حالتى , شردت عينى ناحيه النافذه ترى شروق الشمس و احتلال أشعته للمكان و جزء من وجهى , جفت دموعى و جفت معها روحى .. أستعد الان لكى تعيش حياتك الجديده !

   بالكاد استطعت أن اقف على قدمى و ما هى إلا خطوات قليله ناحيه الطرقه و وقعت مغشى علىِ من الضعف و الوهن الذى أصابنى بعد أن تقيأت كل ما كان فى معدتى ليله امس , لم اعلم كم ساعه مرت و أنا أحتضر فى مكانى و لكن أنتزعنى من غيبوبتى صوت قادم من مسافه عشره سنوات , صوت يحاول أنقاظى , صوت أفاقنى و أعادنى إلى الحياه مره أخرى , صوت كنت فى أمس الحاجه إليه , صوت أنثى احببتها رغم كل شى !

   جلست ساندا ظهرى على الحائط بعد ان قمت من محاوله احتضارى الفاشله , لماذا لا أرحل فى هدوء , بدأ الصداع يضرب رأسى بأنتظام , طرقات حداد حاد المزاج اسمعها الان بداخلى , احاول جاهدا ان اتناسى فعلتى الحمقاء ليله أول أمس , ليله تراشقت النجوم من حولى حزنا على غبائى و تركت من حولى بقاع كانها تقول ارتمى بواحده و أكسى نفسك بالتراب و مت بكرامتك , عقرب ساعتى يشير إلى التاسعه صباحا , بعد حمام سريع أزلت فيه معاناه امس و أثار غيبوبتى و بعد شطيره جبن و كوب شاى , أستلقيت على فراشى فى محاوله لاعاده التوازن الذى فقدته منذ زمن !

   كيف تعيش الحياه و أنت تحمل بداخلك نكهه انثى لن تحصل عليها !
   كيف تعيش و قلبك يزف كل يوم مشاعر كتنك بنزين مثقوب , عود كبريت يتيم يمكن ان يجعله ينفجر فى اى وقت !
   هل انا مريض ام عاشق سئ الحظ ؟!

   أنا الشيخ ..أنا الشاب
   أنا السهم .. أنا القوس
   أنا الدولة الخالده
   ألست أنا أنا ؟!
   بل أنا أنا

   أنا سروه فى بستان
   أنا روح فى بدن
   أنا كلمه فى فم
   ألست أنا أنا ؟!

   بل أنا أنا
   أنا فى دهشه
   أنا فى وعيي
   و فى غير وعيي
   أنا نطق صامت
   انا نواح مسكت
   من ذلك اللون
   لماذا أنا بلا لون
   و أى تشبث لى بتلك الجدائل
   أنا الملك .. انا العرش معا
   أنا المحنه.. و الاقبال
   أنا الداء و الدواء
   أنا الدم و اللبن
   أنا الطفل و أنا الشيخ
   أنا التابع و الأمير
   انا هذا و أنا ذاك
   أنا "شمس" ناثر السكر
   أنا مدينه تبريز

   أنا الساقى و أنا الثمل
   أنا المشهور المغمور
   لا أنا بالثمل
   ولا أنا بالمفيق
   ولا أنا بالنائم ولا باليقظ
   ولا أنا مع الحبيب ولا أنا بدونه
   ولا أنا بالمحزون
   ولا أنا بالمسرور

   و لو أنى أستريح للحظه
   فان نفسى لا تستريح
   بل انى أستريح
   ان لم اذق طعم الراحه و لو للحظه
   أنا كأس يُدار به
   أنا كأس يُصب به
   أنا خمر يغلي حينا
   و يضحي بي ثمل أحيانا

   اليوم الثالث .. راقدا على فراشى , فارغ المعده و جاف الحلق , مصاب بطعنات فى جميع انحاء جسدى و لكن لا توجد بقع دماء على الفراش , فقط بضع قطرات تساقطت من أنفى كفتاه فقدت عذرياها للتو , الضغط العصبى يصيبنى بالنزيف , ليلتى كانت هادئه , هل رأيت "جندالف" العجوز الابيض فى فيلم ملك الخواتم الجزء الثالث و هو نائم محدق العينين خوفا على البلوره , هكذا كنت أنا , نائم محدق العينين خوفا من قدومها !

   بعد كل كارثه أقوم بها , أشعر أن الحياه تبدأ من جديد , الان يوم جديد , يوم جديد فى بلد غريبه , سجن شديد الحراسه , مستشفى , قسم شرطه , اسانسير معطل بالدور ال 15 و هكذا , أبقى وحيدا أواجه الامر مع نفسى , مواجهه أخسر فيها الكثير لكن لا أخسر نفسى , لاننا متفقين منذ زمن على أرتكاب نفس الحماقات على فترات متباعده , غالبا عشقت تعذيبها و جلدها يوميا و هى راضيه مواقفه , أصبح لديها نزعه ساديه !

   أرتديت ملابسى و خلال ساعه كنت فى احد شوارع الاسكندريه الرومانسيه , استجدى الألفه و الأطمئنان بين الناس , ركنت سيارتى و ركبت مشروع خط فيكتوريا بحر و رجعت بالترام الازرق الصامت , اراقب ملامح و تعابير البشر عموما , أحتاج للأجابه على بعض الاسئله التى تأرقنى دوما ..

   لماذا اسرح عندما ارى شاب يعانق يد فتاه خلال عبور الطريق ؟!
   لماذا لا أكتب على مواقع التواصل الاجتماعى , كان يوم جامد جدى ؟!
   لماذا تقف البنات مكسورين الظهر واضعين يديهم اليمنى فى وسطهم مائلين إلى الامام خلال التصوير ؟!
   لماذا لا أشعر بالسعاده ؟!

   ذهبت إلى أماكن كثيره قتلا للوقت , لا أريد العوده إلى المنزل الان , لا أريد أن أتذكر عملتى , منتصف الاسبوع و الملل بدأ يتخلل جسدى و الوصول إلى يوم السبت من الاسبوع الجديد هو كل ما اتمنى , حيث العوده للعمل مره اخرى و الانخراط فى اشياء كثيره تنسينى ما قمت به و لعلها تمحى ذاكرتى إلى الابد !

   مر اليوم الثالث بسلام و لكن لم تمر ليلته كما كنت اتوقع , اول ليله فى الايام السوداء , بدأ الندم يطرق باب غرفتى حاملا بيده ذكريات لا تتعدى الخمس , ألقاهم الواحده بعد الاخرى فى راحه يدى , بدأت المشاهد تعمل و أرى نفسى بها و لكن اى الباقى ؟! , اين الجميع ؟! , لماذا انا فقط الذى يظهر فى المشهد ؟! , توقف الندم من ألقاء الذكريات و قال : حتى هذه اللحظه لا تعلم , انت احمق , هل تعلم هذا , احمق كبير , يستحق الموت بدون شفقه , مكانك جهنم المشتعله , هذا افضل لك .. تقيئ كلماته و رحل و ترك بداخلى علامه أستفهام أكبر من تمثال الحريه القابع بخشوع على احرف ولايه نيويورك !

   بدون اى مقدمات نشطت ذاكرتى الخربه و عصفت بى كأعصار لا يعرف التوقف , كم مهول من أحداث جاوزت الاربع و الخمس سنوات , سقط على الارض من هول الصدمه لا استطيع اخد نفسى , معتصرا صدرى بيدى و العرق ينهمر من جبينى بغزاره و الدموع تملا عينى , حزين حتى عند احتضارى , المشهد الاول : أنثى عشقتها حتى الموت , عشقت كل تفصيلها , بدايه من شفتيها التى كنت اعانقها دوما حتى رسمه ارجلها التى خرطت خصيصا لاجل بنطال اسود فضفاض , انتهى المشهد الاول و معه صوت كسره .. المشهد الثانى : مستشفى و عزاء و صندوقين خشبيين يحملا اب و ام , انتهى المشهد الثانى و معه كسره .. المشهد الثالث : شئ لم يكمل و لن يكمل , شى احببته رغم أنفه , انتهى المشهد الثالث و معه كسره انتفض لها جسدى و اصمت لها اذنى .. المشهد الرابع يحدث الان : مستلقى على الارض كسجاده جديده , مفترش اليدين و الارجل , نزيف انفى اغرق قميصى و حلقى مسلوخ كاخروف عيد يأبى الذبح , لا اقوى على فتح عينى , الضوء شديد كما ان الرياح تداعب وجهى بدون استيحاء , بالكاد أستطعت ان انقلب على جانبى الايمن فى محاوله لمعرفه ما حدث , طرقات الصداع لا تكف عن الدق , لا يوجد احد هنا , كفى طرق , كفى ازعاج , تحاملت على نفسى و على مكتب عتيق بجانبى و قمت انظر إلى مرأه معلقه على حائط تشقق طلائه , نظرت إلى وجه شاحب بصعوبه وجدت ملامحه , انف ينذف و فم طمث بالدماء و ذقن كثيفه مطلق لها العنان , أخرجت هاتفى من جيبى بقى به شرطه واحده و ترقد بطاريته فى سلام , نظرت إلى التاريخ و الساعه لم أصدق من هول الصدمه و المفاجاه ...

   الثامنه و النصف صباحا , يوم اعلان نتيجه الثانويه العامه !