الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013

المشهد الثالث و الاخير !


    اليوم الثانى بعد عملتى السوداء , لا أشعر بشئ , ليله أمس كانت مليئه بالاحلام المفزعه و الكوابيس , ليله هربت فيها كُل جينات الذكاء منىِ و بقي الغباء فقط , ليله رأيتها فيها تقتلنى بسكين تلمه , تعزلنى من الحياه , تحفر قبرى بيديها , تلعن و تسب شجره عائلتى , تندم على معرفتى و على اليوم الذى جمعها بى فى مكان واحد , ليله تعديت فيها حدودى , أعتليت سور ليس من حقى , رأيت أشياء لم يكن يجب أن أراها .. ليله وقعت فيها على جذور رقبتى و سمعت صوت كسرها بأذنى !

   ليلتها حاولت أن أستجدى عينى لكى تزرف بعض الدموع على فعلتى و لكنها لم تستجب , لم يأتى موعد الندم بعد , النحيب و الصراخ على ما حدث , الشعور بالحرائق تندلع , تأكل صدرى بما فيه من رئتين و قلب طعن للتو بخنجر مسموم , أنا من طعنت نفسى هذه المره عملا بمقوله : أفضل علاج لقلب محطم هو أن يتحطم مره أخرى !

   قارب اليوم على الانتهاء و مازلت لا أشعر بشئ , لا يوجد حزن , لا يوجد صمت , لا يوجد رغبه فى السير فى الشوارع كمن فقط بيته فى زلزال 92 ولا يوجد مكان يذهب إليه , لا يوجد رغبه فى البكاء كأى إنسان لديه أحساس , على الأرجح هذا تأثير الصدمه , صدمه غبائى و تهورى و عقلى الذى أتخذ من هذه الليله المشئومه أجازه بدون مرتب و جعل قلبى يمسك بزمام الامور حتى لقى حدفه تحت عجلات المنطق و صوت العقل و الدين !

   كُل شئ أصبح سريعا من حولى , عقارب الساعه و هاتفى الخاشع فى هدوء و نسك الرهبان , عينى تدور فى كل أتجاه بسرعه دوران الكره الارضيه حول نفسها و حول الشمس , صومعتى المحببه إلى قلبى التى أعيد بنائها مره أخرى , أنفصالى عن العالم الافتراضى و كل مواقع التواصل الاجتماعى , فقدان الرغبه فى أشياء كثيره .. فقدان الرغبه فى الاستمتاع بالحياه !

   قريبا جدا سوف أستمع إلى صوت أشياء تُكسر بداخلى , أشياء جاهدت سنوات لكى أعيد تصليحها و لكن "أمير" ثمنه جنيه و ربع لن يتحمل ما سوف يحدث , هذه المره سوف ألقى الاشياء التالفه عملا بنفى مقوله : اللى أتكسر عمره ما يتصلح , سوف أبحث عن أشياء جديده تصلح لى و ابدأ معها رحله جديده و سوف أجاهد ألا أعرضها للكسر فأنا أعرف نفسى .. أحمق , متهور , مهمل فى حق نفسى !

   فى أنتظار الاصعب , فى أنتظار الايام السوداء !

   أصبحت الان الثانيه عشر بعد منتصف الليل , ليل الاسكندريه الساحر , موطن الاحزان و الذكريات , واقفا بالنافذه أستجدى بعض نسمات الهواء البارده لعلها تخفف حراره رأسى , أدخن السجائر واحده تلو الاخرى و بجانبى كوب قهوه هو الاول منذ الانقطاع عنها لمده طويله بأمر من الطبيب المعالج , فاليذهب الطبيب إلى الجحيم و صدرى معه !

   هل أخبرك سرا صغير عنىِ , أنا من عاش مراهقه خصبه و نسج بخياله احلام ورديه جميله , كُنت أتغذى عليها يوميا مع الاستماع إلى الموسيقى , حقا , فالموسيقى غذاء للروح , أنا من يقف دائما فى وجه قطار لا يعرف الوقوف أو أتوبيس نقل عام هذه ليست محطته , أملا ان يوقفه بمجرد لمسه و لكن الحقيقه هى أننى دائما أجد نفسى تحت عجلاته !

   رائحه الغسيل المنشور تملا الهواء , رائحه عشقتها منذ صغرى هى و رائحه الخشب المحروق التى دائما تهيج جيوبى الانفيه عند أستنشاقها , طموحى فى العلاقات العاطفيه كان دائما و مازال طموح بسيط , أحب فتاه واحده فقط , لا ارى سواها و اكمل معها الحياه , أمنيه تمنيتها فى مراهقتى و أستجاب الله لىِ , حصلت على الفتاه و على الحب و لكن لم اكمل و رائت هى غيرى كثيرون .. هل عند دعوتى كُنت لا أنظر إلى الشرق !

   كشف حساب يتم فتحه عند كل مصيبه اقوم بها , كبطاقه ائتمان لم يتم تسديد اقساطها , جروح لم تغلق و نزيف مستمر , الهيئه تقول انه معاف من كل شئ و لكن الاشعه الداخليه تقول انه ينتهى الان , فقط بضعه ايام , شهور , ربما سنوات و ينتهى الامر , كما تنتهى السجاره التى سلبتها روحها و تركتها رماد فى الهواء و عقب محترق مرمى من الدور العاشر على سقف سياره فيات 128 حمراء !

   لن أخبرك عن صدرى الذى سوف يزيد اشتعالا بسبب فنطاس القهوه الذى تجرعته دفعه واحده و لن أخبرك عن معدتى التى سوف أفرغها فى الحمام بعد دقائق من الان و لن اخبرك ايضا عن الحزن الذى سوف يصيبنى بعد كل هذه الاشياء , تجدنى مستلقى على كنبه الصاله ظهرى يلامس بلاط الارض من كثره الالم , احدق بالسقف اعد مربعاته قتلا للحاله التى أشعر بها الان , تمتلئ عينى بالدموع !

   حان الان موعد الندم على حماقه ليله أمس .. ارجوك تمنى لى ليله سعيده حتى لو كذبا !

   بدأت الدموع تنهمر من عينى كصنبور ماء لا يوجد بداخله جلده تحبس قطراته , وقتا طويلا أغرقت فى ملابسى و كنبتى و جزء من السجاده , بكاء لا يتوقف و دموع وجدتت طريقها على وجهى المتيبس , لا يوجد أنفعال ولا جبين مقتضب ولا جز على الاسنان من فرط الالم .. انا انهار داخليا كأنهيار برجى التجاره العالمى يوم 11 سبتمبر , يوم بكت البشريه على ضحايا و بكيت انا على حالتى , شردت عينى ناحيه النافذه ترى شروق الشمس و احتلال أشعته للمكان و جزء من وجهى , جفت دموعى و جفت معها روحى .. أستعد الان لكى تعيش حياتك الجديده !

   بالكاد استطعت أن اقف على قدمى و ما هى إلا خطوات قليله ناحيه الطرقه و وقعت مغشى علىِ من الضعف و الوهن الذى أصابنى بعد أن تقيأت كل ما كان فى معدتى ليله امس , لم اعلم كم ساعه مرت و أنا أحتضر فى مكانى و لكن أنتزعنى من غيبوبتى صوت قادم من مسافه عشره سنوات , صوت يحاول أنقاظى , صوت أفاقنى و أعادنى إلى الحياه مره أخرى , صوت كنت فى أمس الحاجه إليه , صوت أنثى احببتها رغم كل شى !

   جلست ساندا ظهرى على الحائط بعد ان قمت من محاوله احتضارى الفاشله , لماذا لا أرحل فى هدوء , بدأ الصداع يضرب رأسى بأنتظام , طرقات حداد حاد المزاج اسمعها الان بداخلى , احاول جاهدا ان اتناسى فعلتى الحمقاء ليله أول أمس , ليله تراشقت النجوم من حولى حزنا على غبائى و تركت من حولى بقاع كانها تقول ارتمى بواحده و أكسى نفسك بالتراب و مت بكرامتك , عقرب ساعتى يشير إلى التاسعه صباحا , بعد حمام سريع أزلت فيه معاناه امس و أثار غيبوبتى و بعد شطيره جبن و كوب شاى , أستلقيت على فراشى فى محاوله لاعاده التوازن الذى فقدته منذ زمن !

   كيف تعيش الحياه و أنت تحمل بداخلك نكهه انثى لن تحصل عليها !
   كيف تعيش و قلبك يزف كل يوم مشاعر كتنك بنزين مثقوب , عود كبريت يتيم يمكن ان يجعله ينفجر فى اى وقت !
   هل انا مريض ام عاشق سئ الحظ ؟!

   أنا الشيخ ..أنا الشاب
   أنا السهم .. أنا القوس
   أنا الدولة الخالده
   ألست أنا أنا ؟!
   بل أنا أنا

   أنا سروه فى بستان
   أنا روح فى بدن
   أنا كلمه فى فم
   ألست أنا أنا ؟!

   بل أنا أنا
   أنا فى دهشه
   أنا فى وعيي
   و فى غير وعيي
   أنا نطق صامت
   انا نواح مسكت
   من ذلك اللون
   لماذا أنا بلا لون
   و أى تشبث لى بتلك الجدائل
   أنا الملك .. انا العرش معا
   أنا المحنه.. و الاقبال
   أنا الداء و الدواء
   أنا الدم و اللبن
   أنا الطفل و أنا الشيخ
   أنا التابع و الأمير
   انا هذا و أنا ذاك
   أنا "شمس" ناثر السكر
   أنا مدينه تبريز

   أنا الساقى و أنا الثمل
   أنا المشهور المغمور
   لا أنا بالثمل
   ولا أنا بالمفيق
   ولا أنا بالنائم ولا باليقظ
   ولا أنا مع الحبيب ولا أنا بدونه
   ولا أنا بالمحزون
   ولا أنا بالمسرور

   و لو أنى أستريح للحظه
   فان نفسى لا تستريح
   بل انى أستريح
   ان لم اذق طعم الراحه و لو للحظه
   أنا كأس يُدار به
   أنا كأس يُصب به
   أنا خمر يغلي حينا
   و يضحي بي ثمل أحيانا

   اليوم الثالث .. راقدا على فراشى , فارغ المعده و جاف الحلق , مصاب بطعنات فى جميع انحاء جسدى و لكن لا توجد بقع دماء على الفراش , فقط بضع قطرات تساقطت من أنفى كفتاه فقدت عذرياها للتو , الضغط العصبى يصيبنى بالنزيف , ليلتى كانت هادئه , هل رأيت "جندالف" العجوز الابيض فى فيلم ملك الخواتم الجزء الثالث و هو نائم محدق العينين خوفا على البلوره , هكذا كنت أنا , نائم محدق العينين خوفا من قدومها !

   بعد كل كارثه أقوم بها , أشعر أن الحياه تبدأ من جديد , الان يوم جديد , يوم جديد فى بلد غريبه , سجن شديد الحراسه , مستشفى , قسم شرطه , اسانسير معطل بالدور ال 15 و هكذا , أبقى وحيدا أواجه الامر مع نفسى , مواجهه أخسر فيها الكثير لكن لا أخسر نفسى , لاننا متفقين منذ زمن على أرتكاب نفس الحماقات على فترات متباعده , غالبا عشقت تعذيبها و جلدها يوميا و هى راضيه مواقفه , أصبح لديها نزعه ساديه !

   أرتديت ملابسى و خلال ساعه كنت فى احد شوارع الاسكندريه الرومانسيه , استجدى الألفه و الأطمئنان بين الناس , ركنت سيارتى و ركبت مشروع خط فيكتوريا بحر و رجعت بالترام الازرق الصامت , اراقب ملامح و تعابير البشر عموما , أحتاج للأجابه على بعض الاسئله التى تأرقنى دوما ..

   لماذا اسرح عندما ارى شاب يعانق يد فتاه خلال عبور الطريق ؟!
   لماذا لا أكتب على مواقع التواصل الاجتماعى , كان يوم جامد جدى ؟!
   لماذا تقف البنات مكسورين الظهر واضعين يديهم اليمنى فى وسطهم مائلين إلى الامام خلال التصوير ؟!
   لماذا لا أشعر بالسعاده ؟!

   ذهبت إلى أماكن كثيره قتلا للوقت , لا أريد العوده إلى المنزل الان , لا أريد أن أتذكر عملتى , منتصف الاسبوع و الملل بدأ يتخلل جسدى و الوصول إلى يوم السبت من الاسبوع الجديد هو كل ما اتمنى , حيث العوده للعمل مره اخرى و الانخراط فى اشياء كثيره تنسينى ما قمت به و لعلها تمحى ذاكرتى إلى الابد !

   مر اليوم الثالث بسلام و لكن لم تمر ليلته كما كنت اتوقع , اول ليله فى الايام السوداء , بدأ الندم يطرق باب غرفتى حاملا بيده ذكريات لا تتعدى الخمس , ألقاهم الواحده بعد الاخرى فى راحه يدى , بدأت المشاهد تعمل و أرى نفسى بها و لكن اى الباقى ؟! , اين الجميع ؟! , لماذا انا فقط الذى يظهر فى المشهد ؟! , توقف الندم من ألقاء الذكريات و قال : حتى هذه اللحظه لا تعلم , انت احمق , هل تعلم هذا , احمق كبير , يستحق الموت بدون شفقه , مكانك جهنم المشتعله , هذا افضل لك .. تقيئ كلماته و رحل و ترك بداخلى علامه أستفهام أكبر من تمثال الحريه القابع بخشوع على احرف ولايه نيويورك !

   بدون اى مقدمات نشطت ذاكرتى الخربه و عصفت بى كأعصار لا يعرف التوقف , كم مهول من أحداث جاوزت الاربع و الخمس سنوات , سقط على الارض من هول الصدمه لا استطيع اخد نفسى , معتصرا صدرى بيدى و العرق ينهمر من جبينى بغزاره و الدموع تملا عينى , حزين حتى عند احتضارى , المشهد الاول : أنثى عشقتها حتى الموت , عشقت كل تفصيلها , بدايه من شفتيها التى كنت اعانقها دوما حتى رسمه ارجلها التى خرطت خصيصا لاجل بنطال اسود فضفاض , انتهى المشهد الاول و معه صوت كسره .. المشهد الثانى : مستشفى و عزاء و صندوقين خشبيين يحملا اب و ام , انتهى المشهد الثانى و معه كسره .. المشهد الثالث : شئ لم يكمل و لن يكمل , شى احببته رغم أنفه , انتهى المشهد الثالث و معه كسره انتفض لها جسدى و اصمت لها اذنى .. المشهد الرابع يحدث الان : مستلقى على الارض كسجاده جديده , مفترش اليدين و الارجل , نزيف انفى اغرق قميصى و حلقى مسلوخ كاخروف عيد يأبى الذبح , لا اقوى على فتح عينى , الضوء شديد كما ان الرياح تداعب وجهى بدون استيحاء , بالكاد أستطعت ان انقلب على جانبى الايمن فى محاوله لمعرفه ما حدث , طرقات الصداع لا تكف عن الدق , لا يوجد احد هنا , كفى طرق , كفى ازعاج , تحاملت على نفسى و على مكتب عتيق بجانبى و قمت انظر إلى مرأه معلقه على حائط تشقق طلائه , نظرت إلى وجه شاحب بصعوبه وجدت ملامحه , انف ينذف و فم طمث بالدماء و ذقن كثيفه مطلق لها العنان , أخرجت هاتفى من جيبى بقى به شرطه واحده و ترقد بطاريته فى سلام , نظرت إلى التاريخ و الساعه لم أصدق من هول الصدمه و المفاجاه ...

   الثامنه و النصف صباحا , يوم اعلان نتيجه الثانويه العامه !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق