الاثنين، 30 مارس 2015

( 9 ) الهروب الكبير ! - خريف 2009 - جزء 2


خريف 2009 ...
   أنتهى اليوم فى الأذاعه ببطئ شديد , فألم ظهرى قد تمكن منى بسبب الجلوس لفترات طويله , أحتاج إلى أن أرتاح و كل هدفى الأن الذهاب إلى البيت و لكن تم إبلاغى إن الممله تريد أن أذهب إليها فى مكتبها الأن , نعم هى (ايمان) , لم أكن فى حاله تسمح للأستماع إلى الهراء الذى تنطق به !
   الساعه الأن الحاديه عشر مساءا , تركت الأذاعه و توجهت إلى سيارتى و لم أقابلها , الجو هادئ , لا رياح ولا هواء فقط صمت و سكون و رائحه خشب محروق تملا الجو , إنها الرائحه المفضله لدى , أشعلت سيجاره ملفوفه و أحرقتها داخل صدرى أحتفالا بحاله الجو التى لا تتكرر كثيرا , ركبت السياره و أنطلقت إلى المنزل , فتحت باب الشقه و ألقيت المفاتيح و عصام و نرمين و أشرف على الطاوله , أخذت طريقى إلى غرفتى , بدلت ملابسى بعد حمام سريع و بعض الأسئله الوجوديه , تناولت دواء ألم الظهر فى محاوله لأخراسه لكى يتركنى قليلا أنام ثم يعود بعد ذلك !
   عندما تنفصل عن الحياه ...
عن العالم ...
عن جسدك ...
عن عملك و مديرتك ...
عن رئيس البلاد و حزبه ...
   عندما تنفصل عن كل هذا و تسلم نفسك بأرادتك للنوم , كمريض يأخذه البنج فى رحله إلى اللامكان و سرعان ما يعود الى أرض الواقع , هكذا أنا و النوم !
   عند دخولك الغرفه , تجد أمامك سرير و بجانبه دولاب و مكتب و نافذه مغلقه فوقها ستاره لونها أبيض , أحتل التراب خيوطها و فوق المكتب هاتف لا يمل الرن كأن من يتصل يعلم أننى هنا , على أحد الحوائط يوجد مراه أيضا التراب أحتل مساحه كبيره منها , فوقها ساعه حائط معلقه توفيت عقاربها عند الواحده و النصف , لا أعلم إن كانت صباحا أم مساءا , الرن مستمر و الالحاح مستمر , تبا لذلك الهاتف اللعين !
   بجانب السرير يوجد طاوله صغيره و فوقها كتب تنميه بشريه و روايات كثيره لم يتم الانتهاء من قرأتها و زجاجه مياه , الماء الذى بداخلها أصبح له لون الصفره , مازال يطلب ولا يمل ولا يكف عن السؤال , يوجد برواز معلق به صوره أحد الأشخاص , أعتقد ربما شاهدته فى مكان ما , لكن لا أتذكر أين تحديدا , هناك فى أحد أدراج المكتب مفتاح سياره موديل سنه 1998 , نعم أنها نفس الماركه التى أفضلها , لا أعلم كيف أغلق هذا الهاتف المزعج ؟!
   أشعر بالمرض , قلبى يألمنى منذ فتره , كأن رصاصه أخترقته و أستقرت بداخله , أريد أن أرتاح , أستلقيت على السرير فى محاوله لتهدئه سرعه ضربات قلبى , اللعين يمكن أن ينقلب على سرعه هذه الضربات و أرحل أنا عن العالم , كفى رن , كفى زن , كفى تلك النغمه الحمقاء !
   كانت واقفه عند النافذه , ترتدى قميصا أبيض كشف عن أرجلها و جزء من صدرها , تقترب فى أبتسامه كأنها وجدت ما تبحث عنه , شعرها يرتطم كأمواج البحر على كتفيها , أقتربت حتى اصبحت بجانبى , شخص ما يلمس يدى , نعم أنا أشعر بأًصابعه تتشابك بأصابعى , نعم أنا متذكر تلك اليد جيدا , ذلك الكف الخشن نوعا ما و الخطوط البارزه به , خط الحياه و القلب و العمر , خطوط ضعت بداخلها !
  
   الهدوء يسود المكان , حطام فى كل اتجاه , بقايا زجاج متناثره على جانبى الطريق و عمود اناره وحيد ينشر اشعته فوقى .. هكذا كانت حالتى مستلقى على جانب الطريق و اشعر بضيق شديد من وجودى فى هذا الجسد المتهالك

   لم اكن اقوى على الحراك او فعل اى شئ و فجأه شعرت بحاله من الهدوء و السكينه لم اشعر بها من قبل , نعم اشعر بذلك جيدا .. فكانت روحى تسحب من جسدى فى هدوء و انا ملقى على جانب الطريق و بقايا حطام السياره فى كل مكان و مازال عمود الاناره يبعث اشعته فوق جسدى الهامد 

   ارتفعت حتى اختفى كل شئ و بعد فتره وجدت نفسى داخل مكان اشبه بقاعه كبيره لا يوجد بها سوى مقعد وحيد و معلق على حوائط هذه القاعه شاشات متلاصقه لا تبث اى شئ و للحظه ادركت اننى داخل " مكان الانتظار " لم اهتم بأستيعاب ذلك المكان بقدر ما كنت افكر فى رد فعل ابى و امى على خبر موتى .. و اثناء انشغالى فى التفكير بدأت الشاشات تعمل 

   اقتربت منها و شاهدت اناس كثيره ترتدى ملابس سوداء و اصوات الصراخ تأتى من كل مكان , هذا ابى و هذه امى و هولاء اقاربى و اصدقائى .. ارى نفسى داخل الصندوق الخشبى و الجميع من حولى فى طريقهم الى ما يعرف " بالمنزل الاخير " .. اراهم جميعا و اشعر بما داخلهم 

   بما اننى داخل ذلك المكان فاربما امامى بعض الوقت حتى ارى كيف حالهم بعد رحيلى , هذه سيارتى كما هى منذ الحادث و اثار الدماء عليها امام المنزل .. و هذه امى دائما صامته تنظر كثيرا الى صورتى و الدموع لا تفارق عينها 

هذا ابى يجاهد حتى يتقبل صدمه موت ابنه الوحيد بعد كل ذلك العمر .. فهما حقا يحبانى , اما اقاربى فكان الحزن داخلهم كبير ربما كنت اعنى لهم الكثير و هذه صورتى داخل منزل كل منهم 

اشعر ان الجميع يفتقدنى و انا افتقد الجميع , حياتى سارت فى هدوء و ايضا رحلت بعيدا و فى هدوء .. اسعى الان حتى اتقبل هذا المكان الذى اقيم به , هل سأقابل احد ؟! .. ام سأظل وحيدا هنا ايضا ! هل سأقابل ارواح اخرى تتحدث معى و اتحدث معها ؟! .. فأنا لا اريد ان ابقى وحيد لا اريد ان ابقى وحيدا


      قمت ملدوغا من النوم على صوت الهاتف , غارقا فى العرق و الحيره و قلبى يدق يعنف , هل مازلت أحلم أم هذا حقيقى , نظرت إلى ساعه الحائط , أنها لا تعمل و لكنها واقفه على الواحده و النصف , هل مازلت أحلم أم هذا حقيقى , أسرعت إلى الهاتف و نظرت إلى الشاشه و الخوف مسيطر علي , مازال الرن مستمر من رقم غريب , ترددت قبل أن أضغط على زر الرد ثم فعلتها قائلا ...
_ الو !
_ وحشتنى يا جبان .
_ (مى) , وقعتى قلبى , بتتكلمى ليه من نمره غريبه ؟!
_ تلفونى فاصل , ثم تعالى هنا , يعنى ايه وقعت قلبك يا استاذ , ها , انت معاك حد ؟!
_ حد ايه بس , انا قمت مفزوع من صوت الموبيل .
_ طيب ايه بقى , هشوفك انهارده , ايه رأيك نتغدى سوا مع بعض فى وسط البلد ؟!
_ امممممم , اوك , تمام , موافق , اشوفك على الساعه تلاته كده , (مى) بلاش تتأخرى كالعاده .
_ هتلاقينى فى المعاد يا فندم , يلا باااى يا (جو) .
_ سلام .
   (مى) أربعه و عشرون عاما من الجمال و الحيويه و النشاط و حب الحياه , نادرا عندما تقابل مثلها , كل ما أعرفه أنها تحبنى كثيرا و أنا لا , لا أعرف , أحاول و هى تحاول معى , ربما مع الوقت أبادلها نفس الشعور !
   تركت الهاتف و توجهت إلى الحمام و مشاهد الحلم مازالت تعرض أمامى , لا أعلم لماذا لا تكف عن مزاولتى كل فتره ؟! , لماذا لا تذهب ذكرياتها كما ذهبت هى ؟! , أسئله كثيره تدور داخل رأسى عند كل مره تأتينى أثناء نومى , أفكار و تساؤلات تركتها تنهمر مع الماء السائل فوق رأسى , كم من الحزن بداخلى لا يوصف حتى أسئلتى الوجوديه هربت منى , فقط وقفت أمام مراه الحمام لا أرى شئ , أزلت البخار من عليها بيدى و نظرت إلى نفسى و إلى ثمانيه و عشرون عاما مضت !
   أرتديت قميص و بنطال و صففت شعرى و حددت ذقنى الكثيفه نوعا ما , وجودها يشعرنى بالامان لسبب لا أعرفه , أعدتت فنجان قهوه و لفتت خمسه سجائر فقط , فعند أخر مره كُنت بها عند دكتور الصدر , قال لى إن صدرى أصبح كمدخنه كبابجى لا يراعى الله فى اللحم الذى يقدمه إلى الذبائن و أنا على كل حال لا أريد أن يتمكن سرطان الرئه منى !
   بالنظر إلى سنى فأنا كما يقولون فى عز الشباب و لكن بالنظر إلى حالتى الصحيه و التقارير الطبيه فأنا منتهى الصلاحيه منذ زمن و لكنى أعيش ببركه دعاء الوالدين "رحمهم الله" , أستقليت سيارتى و شاهدت مسرحيه الازدحام المرورى بل أصبحت أحد المشاركين فيها و كالعاده وصلت إلى العمل متأخر ساعه و نصف , لم أقم بعمل شئ مميز خلال وجودى بالاذاعه , فقط حديث خفيف مع بعض الزملاء و مراجعه بعض الاشياء التى تخص البرنامج !
  
   طوال جلوسى بالعمل , أحرقت أربع سجائر محشوه و ثلاثه أكواب شاى و كدت أن أحرق (ايمان) رئيسه التحرير , رقم قياسى بالنسبه الاوقات السابقه , بقى سيجاره واحده سوف أدخنها مع (مى) بعد الغداء , فقد وعدتها أن أخفف التدخين تدريجيا !

   وسط البلد , الساعه الثالثه بعد ظهر اليوم , حيث الأزدحام الشديد و درجه الحراره العاليه , تلك المنطقه من القاهره دائما ساحره و لكن ليس اليوم , وسط القاهره أو كما يعرفها سكانها "وسط البلد" هى القلب التجارى للمدينه المزدحمه و تشمل أحياء : الدرب الاحمر , الموسكى , الخليفه , المقطم , باب الشعريه و السيده زينب , وسط البلد من اقدم احياء القاهره و احسنها و ارقاها تخطيطا و بها عماره شهيره بناها الخديوى "اسماعيل" أبان أفتتاح قناه السويس لتكون واجهه مشرفه لمصر و تم تخطيطها وتصميمها على أحدث الطرز الأوروبيه المعماريه و تم أدخال الاضاءه في شوارعها قبل ان تدخل شوارع باريس !
   المدينه العريقه تغرق فى الازدحام و التلوث و أبواق السيارات , جاهدت كثيرا حتى أستطعت أن أركن السياره فى أحد الشوارع الجانبيه المتفرعه من شارع "عدلى" , خلال دقائق كنت جالسا فى أحد المطاعم الشهيره هناك منتظرا (مى) , المطعم الذى أجلس على أحد طاولاته تأسس سنه 1934 و تم تجديده , يتكون من طابقين يغلب عليهم الطابع المحلى العريق مع تصميم عالمى دقيق , يوجد على جانبى المطعم نوافذ عاليه عليها صور "وسط البلد" و القاهره منذ القرن التاسع عشر , الإضاءه عباره عن ثلاث لمبات معلقه في سقف مرتفع جدا و قطع الأثاث مطليه بالألوان البني و الأخضر بدرجاته و تعطى إحساس بالراحه و الرجوع للطبيعه !
   الديكور و تصميم المكان يعطى المساحه الداخليه حقها , كل طاوله ليها خصوصيتها و مساحه خاليه حواليها , سرعان ما تصبح فريسه للكراسي الجلد الكبيره المريحه في وسط المطعم ، كل طاوله بها أربع كراسى و لكن كل ما أحتاج كرسيان لى أنا و (مى) التى لم تأتى حتى الان !
   بعد لف سيجاره و تأمل للمكان و مراقبه تصرفات بعض الاشخاص , بدون أى مقدمات طبعت على وجهى قبله و جلست ...
_ اتأخرت عليك ؟!
_ لا ابدا , ده انا حتى لسه موصلتش !
_ اااه بتتريق , يبقى زعلان عشان اتأخرت عليك , السكه زحمه يا (يوسف) , انت عارف "وسط البلد" و زحمتها , زائد ان شارع "عدلى" صعب تلاقى فى ركنه , انا بالعافيه ركنت عربيتى فى شارع جانبى قريب , متزعلش بقى .
_ انتى عارفه مش بحب التأخير و دايما بكون موجود قبل المعاد .
_ اه , بأماره (ايمان) اللى بتصوت منك بسبب تأخيرك كل يوم ساعه ونص على الشغل ... قالتها و هى مبتسمه .
_ بلاش سيرتها دلوقتى الله يكرمك , ها , مبسوطه فى شغلك الجديد ؟!
_ اها , الناس كويسه هناك , الشغل عندنا فى البنك هادى و مريح .
_ يارب دايما يا ستى , مش هناكل ولا ايه ؟!
_ تحب تضرب ايه ؟! ولا اختار ليك انا ؟!
_ انتى بتسألى ! , يا استاذه (مى) انتى كل مره بتختارى ليه نوع الاكل , هو انا بعرف اعارضك فى حاجه , دماغك ناشفه , دماغ صعايده .
_ طيب يا عم (يوسف) , شوف دماغ الصعايده هتأكلك ايه دلوقتى .
   وضعت قائمه الطعام و طلبت بعد أن حضر المتر بكل ثقه ...
_ عايزين فى الاول اتنين "سمبوسك" و اتنين "فتوش" و ياريت لمون على "السمبوسك" و بعد كده اتنين "ستيك لحمه مشويه" و رز .
   بعد أن دون المتر كل هذه الطلبات , رفع رأسه من على الورقه و قال فى سعاده بالغه ...
_ حضرتكوا تحبوا الحلو يكون ايه ؟!
   نظرت الى الشيف (مى) ثم قلت لها ...
_ الطلعه دى عندى انا , عايزين الحلو , اتنين "ام على" و بعدها "ايلى اسبرسو" .
_ تمام يا فندم , حاليا يكون الاكل عند حضراتكم .
   قالت (مى) و هى تبتسم ...
_ عرفت منين ان بحب "ام على" ؟!
_ (على) قالى , جرى ايه يا بنت , هو انا لسه عارفك اول امبارح , بطلى بقى اسئلتك العبقريه دى .
   تبادلنا احاديث كثيره خلال تناولنا الطعام , من الفن الى السياسه الى الاقتصاد الى النميمه على بعض الاشخاص و فى الحقيقه الطعام كان اكثر من رائعا و شجعنى كثيرا على مشاركه (مى) نمها , انتهينا من الاكل و انتظرنا الحلو يأتى و خلال الانتظار , قمت بأخراج ورقه بفره و كيس التبغ و قمت بكل تركيز فى عمليه لف السيجاره و خلال اللف قالت (مى) ...
_ انت لسه معرفتش مين اللى بعت ليك الظرف الابيض فى المستشفى بعد حادثه العربيه ؟!
   تنهدت و تركت ورقه البفره و التبغ و قلت لها ...
_ لسه يا (مى) , لسه معرفش مين اللى بعت الظرف , خمس سنين عمال ادور و مفيش اى نتيجه , خلاص هتتجنن , انا من يأسى بطلت افكر فى الموضوع ده .
_ انا عارفه ان الموضوع ده تعبك يا (يوسف) , بس صدقنى انا كمان تعبانه معاك و مش متخيله ازاى حد عايش مش فاكر غير اخر خمس سنين فى حياته , انا عشت معاك تلات سنين منهم و حاسه بيك .
_ (مى) من فضلك , بلاش كلام فى الموضوع ده , اختمى اليوم كويس احسن .
   لم تتكلم و أكتفت بأداره وجهها إلى النافذه تراقب الشارع و السيارات و الناس و بدأت عيناها تلمع و يظهر بهم الدموع مع طرق خفيف بأصابعها على الطاوله , حينها عرفت إن لا يوجد مجال للحديث معها حتى تهدأ , طلبت الحساب و تركنا المطعم , توجه كل منا إلى سيارته بدون أى كلام و طلبت منها أن تتصل بى عند وصولها لكى أطمئن عليها , هزت رأسها و قبلتنى ثم رحلت , تركتها تذهب و أنا أعلم أنها فى قمه حزنها !
   توجهت إلى سيارتى وأنا أشعر بضيق شديد بسبب هذا الموقف و حديثنا عن الحادثه و بسبب من دوما أحلم بها و (مى) لا تعرف أى شئ عن ذلك الموضوع , لم أخبرها به و إن أخبرتها ستغضب لأننى لم أصارحها به منذ حدوثه كما تعودنا , أشعلت السيجاره التى قمت بلفها و أحرقتها خلال الطريق إلى المنزل , اللعنه على دكتور الصدر و على السرطان و على الازدحام المرورى و على الرئيس و حزبه !

الخميس، 13 مارس 2014

( 8 ) الهروب الكبير ! - خريف 2009 - جزء 1


خريف 2009 ...

   

    مستلقى على جانبى الأيمن شبه نائم و ألم ظهرى يشاركنى السرير , نور صباح اليوم الجديد بدأ فى أحتلال غرفتى من خلال النافذه , لا أعلم كم الساعه الأن , فالنوكيا الخاص بى يتجرع شحنته الكهربيه بعيدا عنى و ساعه الحائط عقاربها وافتها المنيه على الواحده و النصف منذ زمن , غرفتى بسيطه , نافذه لا تفتح و مكان لستائر غير معلقه ,  سرير و دولاب و مكتب يحمل فوقه جهاز كمبيوتر عتيق و مروحه دائما تعمل على السرعه الثانيه , صوتها يجعلنى أذهب فى النوم سريعا , بعض أسطوانات الحديد وزن عشره كيلو و بار , لون الغرفه أصفر مائل إلى لون الليمون , لم يكن لى يد فى أختيار هذا اللون البشع , لا يوجد شئ معلق على الأربع حوائط سوى مرأه بجانب الباب , عاده لا أنظر إليها , بسبب خلافى مع الذى يظهر امامى !

   

   بعد تلك النظره السريعه التى أقوم بها كل مره أستيقظ من النوم كأنى أكتشف الغرفه من جديد , تحاملت على نفسى و على الألم و قمت من على السرير فى طريقى إلى الحمام لا أعبئ بأشارات المرور ولا بأن يكون أحد خارجا مسرعا من غرفه أخرى , فأنا أعيش بمفردى فى الشقه منذ عده سنوات و أصبحت أنا و الوحده وجهان لعمله واحده !

   

   داخل الحمام واقفا لأكثر من دقيقتان فى محاوله لأقناع نفسى للأستعداد لبدايه يوم روتينى جديد , أستسلمت إلى شلال الماء الساخن فوق رأسى لا أفكر فى شئ , البخار يملئ المكان كمن يقود سياره فى وسط شبوره كثيفه , خلال فتره الأستحمام , تأتينى أسئله وجوديه كثيره تحتاج إلى أجابه مقنعه , جميعها تذهب مع توقف المياه و رحيل البخار فى هدوء !

   

   أرتديت ملابسى و فى حزن نظرت الى أسطوانات الحديد العشره كيلو و قلت : مضى وقت طويل على أخر لقاء بيننا , أربع سنوات , منذ طفولتى كنت أتمنى ان يصبح جسدى متناسق و مشدود , تقع الفتيات فى غرامه , حيث أثبتت الدراسات العلميه إن بعض النساء تفضلن الرجل صاحب العضالات , و على ذكر العضالات , تحيه شكر و تقدير إلى بطل مصر "الشحات مبروك" !

   

   خرجت من غرفتى إلى ممر طويل خارجا إلى الصاله , أخذت مفتاح السياره و مفتاح الشقه , المعلق به معصم عصام و هيكل اشرف العظمى و هو يدخن الحشيش و نرمين تمثال الحريه  و جدير بالذكر , إن أوقات كثيره لا اجد اشرف و نرمين ضمن المفاتيح !

   

   دقائق معدوده و كنت داخل سيارتى محاصر فى الأزدحام المرورى على الطريق , اللعنه على من يحكم البلاد , كل يوم أعانى من زحمه السير و أصوات أبواق السيارات و مفاجأت السيدات , كدت أن أذهب إلى القمر فى أحد المرات عندما قررت أحدهن الأنعطاف لدخول شارع جانبى , أحيانا أقكر لماذا لم يخلق لنا الله أجنحه لكى نرتاح ؟!

   

   وصلت متأخرا عن ميعاد العمل فى الاذاعه ساعه و نصف و تلك المده تكفى لكى أفصل من العمل و من الحياه كلها و لكنهم تعودوا منى على ذلك , كنت أقدم برنامج منوعات , كان يأتى كل يوم من الاحد إلى الخميس الساعه السادسه مساءا و لكنه توقف والأن أحضر لبرنامج جديد , و بما أننى أتيت اليوم متأخرا , لن أسلم من لسان رئيس تحرير الأذاعه , الرأس الكبيره كما يقولون , هى فى الثانيه و الثلاثين و هو سن تكون فى المراه فى أوج صحتها و نشاطها , شخصيتها قويه و الكل يخشى معارضتها , حجمها مثالى و وجهها لا يوجد به شئ مميز سوى شفتين روز و عينان بنيتان واسعتين , تعتنى جيدا بأظافرها و ملابسها و رائحه عطرها دائما مختلفه عن كل مره !

   

   دخلت المبنى الذى يوجد به الأذاعه التى أعمل بها و أخذت المصعد إلى الدور الثالت حيث يوجد الأستوديو و بعض مهندسين الصوت و قبل أن أقول " السلام عليكم " ...


_ استاذ (يوسف) , يا استاذ (يوسف) .

_ في ايه يا عم (سعيد) ؟! , مالك عمال تجرى من اخر الطرقه و عمال تقول بعلو الصوت يا استاذ (يوسف) ؟!

   

   تمالك اعصابه و بدأ يأخذ نفسه و يمسح العرق من على وجهه و بعد ان بلع ريقه قال ...


_ رئيسه التحرير عايزه تشوفك بسرعه .

_ و هى عرفت منين ان انا جيت ؟!

_ و دى بيخفى عنها حاجه يا استاذ (يوسف) , يلا تعالى معايا .

_ طيب روح اعمل ليا نيسكافيه و انا هروح ليها .

_ لا لا لا , دى عايزه اجيبك بنفسى لحد مكتبها , الله يكرمك تعالى معايا .

_ حاضر يا سيدى , جى معاك .. يا (وائل) لو اتأخرت ابقى اسأل عليه .

   

   قام عم (سعيد) بأحكام قبضته علي كمن منح الضبطيه القضائيه منذ قليل ثم تمشينا خلال غرف و ممرات المبنى حتى دخلنا إلى الأسانسير فى طريقنا إلى الدور الخامس , ثم قال عم (سعيد) و هو يهندم ملابسه ...


_ هو ايه اللى حصل يا استاذ (يوسف) بينك و بين الاستاذه (ايمان) من ساعه ما بقت رئيس تحرير الاذاعه ؟! , ده انتوا زمان كنتوا احلى اتنين يطلعوا فى برنامج مع بعض .


   توقف الأسانسير فى الدور الخامس و خرجنا و مازال عم (سعيد) يحكم قبضته على , تنهدت قليلا ثم قلت له ...


_ اسكت يا عم (سعيد) , اسكت بدل ما (ايمان) تسمعك و تزعل منك , انت عارفها دى مش بتزعل لوحدها , دى بتجيب ناس تزعل معاها .

_ خلاص خلاص سكتنا .

   

   وصلنا إلى باب المكتب المعلق عليه يافطه "رئيس تحرير الاذاعه" و بدأ عم (سعيد) يدق و معه قلبى أيضا , أتى صوت ناعما من الداخل قائلا : ادخل !

   

   أستجمع عم (سعيد) كل شجاعته و فتح الباب و دخل و أنا خلفه , بداخل الغرفه يوجد مكتب متوسط الحجم عليه جهاز لاب توب و لوحه معدنيه مكتوب عليها "رئيس تحرير الاذاعه (ايمان على حسين) و يوجد أمام المكتب كرسيان و فى الناحيه اليمنى نافذه مغلقه و فوقها تكيف صغير و أسفلها كنبه جلد أسود , على الحائط المقابل شهادات تقدير , أشياء أعتدت على رؤيتها فى كل مره أذهب اليها !

   

   كانت ترتدى قميص لون البنفسج , ضيق يبرز تقاسيم نهديها عن غير قصد , شعرها مرتفع إلى أعلى من الامام و فى وسط رأسها نظاره شمسيه ولا يجب ان أنسى لون طلاء اظافرها , أحمر متوهج !

   

   رفعت عينها من على الورق الذى كانت تقرأه و نظرت إلىِ و إلى عم (سعيد) المرتجف ثم أعتدلت فى جلستها و أخرجت تنهيده مقصوده و بعدها قالت ...


_ روح انت يا عم (سعيد) .

   

   فى لمح البصر أختفى الرجل و تركنى معها , تمشيت إلى المكتب و جلست على الكرسى المواجه للحائط الذى يحمل شهادات التقدير و الصور التذكاريه ثم وضعت هاتفى و كيس التبع و مكينه اللف و بجانبهم المفاتيح , يبدو أن إشرف ليس فى مزاج جيد , و أنا أيضا يا صديقى , قامت من على كرسيها المفضل و أخذت طريقها للجلوس أمامى , هنا لمحت بنطال أسود يجسد أرجل خرطت بعنايه , حقا جميله , بعد جلوسها رمتنى بنظره ثم بدأت ...


_ متأخر ليه ساعه و نص انهارده يا استاذ ؟!

_ مش اول مره اعملها و دى مش اول مره انتى تجبينى و تفتحى معايا تحقيق عن سبب التأخير .

_ طيب قدام انت عارف كل ده , انزل بدرى شويه و تعالى مره فى معادك .

_ ساعه و نص تأخير مش هتوقف الدنيا فى الاذاعه , ثم انا معنديش برنامج شغال حاليا عشان اجى بدرى .

_ صحيح انت مش بتطلع هوا , بس عندك برنامج بتجهز ليه و المفروض انك هتطلع بى قريب , تحمل المسئوليه شويه .

_ انا عارف شغلى كويس و مش محتاج توجيه من حد .

_ اه بأماره انك وقفت برنامج المنوعات بتاعك بعد ما كان مكسر الدنيا و محدش فى الاذاعه عارف انت ليه عملت كده , حركه زى دى واحد غيرك كان زمانه اتفصل فيها .

_ كل مره تعيدى الاسطوانه , مش بتزهقى , بعد اذنك .. اخذت اشيائى من على المكتب و قمت .

_ (يوسف) .. قالتها و هى ممسكه يدى بشده !

   

   أفلت يدى و لم أنظر إليها و توجهت الى الباب و أنا فى قمه غضبى , سالكا ممرات و غرف كثيره متجاهلا نظرات العاملين حتى وصلت الى غرفه كبيره بعض الشئ بها أربع مكاتب و ثلاجه صغيره و تكيف و بعض الملصقات على الحائط , جلست على أحدهم ملقيا المفاتيح و كيس التبغ و مكينه اللف و غضبى رافعا الهاتف الارضى متصلا بالبوفيه ...


_ عم (سعيد) هات قهوه زياده بدل النيسكافيه !


   أثناء أنتظار أعداد القهوه , قمت بأشعال أحد السجائر التى قمت بلفها فى السياره أثناء مشاهده مسرحيه الازدحام المرورى أعلى كوبرى اكتوبر بعد ذلك جاءت القهوه و معد البرنامج الجديد و مهندس الصوت و المخرج , قلت لهم متسائلا ...


_ هى فين (بسنت) ؟!


السبت، 28 ديسمبر 2013

( 7 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 7


غرفه 53 ...
  
   بعد أستقرار حالتى تم نقلى إلى غرفه بسيطه متساويه الابعاد , حوائطها مطليه بالون الابيض و بها نافذه تطل على الشارع الرئيسى للمستشفى فوقها لوحه لمنظر طبيعى يشعرك بالكئابه و الضياع و بالمقابل يوجد باب الغرفه و بجانبه باب أخر لحمام صغير و يوجد بالمنتصف السرير الذى أرقد عليه و ساعه معلقه على الحائط المقابل لى تزعجنى دقات عقاربها السامه , مازال جهاز القلب موضوع بجانبى يرسم خطوطا منتظمه الايقاع و أسلاكه تمر فوق صدرى و محلول يشق طريقه بين أوردتى بدون أستيحاء , ظل كلام الطبيبه يدور داخل رأسى كطائره تستنفذ وقودها من أجل هبوط أضطرارى "مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله" , كُل ما أتذكره وقوعى بداخل غرفه نومى و النافذه التى كانت مفتوحه عن أخرها و المطر الذى أغرقنى و ذهابى إلى الحمام و أفراغ ما بمعدتى و شعورى وقتها بألم رهيب ثم أظلم كُل شئ , لا أقوى على تذكر أى أحداث أكثر من ذلك , مازال الصداع مستمر منذ ليله أمس حتى الان , خلال متابعتى لصوت دقات عقارب الساعه التى أمام , فتح باب الغرفه ممرضه بدينه سألتنى عن حالتى الان :

_ عامل أيه أنهارده ؟
_ تعبان جدا و الصداع هيفرتك دماغى , مش عارف أنام ساعتين على بعض

   أمنت على كلامى بهزه بسيطه من رأسها و نظرت إلى جهاز رسم القلب لعدد من الثوانى ثم قامت بعدها بقياس ضغطى و النبض , بعدها تركتنى بالغرفه ثم عادت بعد وقت قليل ممسكه بيديها حقنه قامت بتفريغ ما تحتوىِ بداخل المحلول المعلق بيدى ثم قالت :

_ ده مهدئ هيخليك تعرف تنام
_ شكرا

   أنسابت مفاصلى دفعه واحده و شعرت أن رأسى أنفصلت عن جسدى و أنى أصبحت حرا طليقا , بهدوء أنسابت جفونى و أستسلمت إلى غياهب النوم بدون مقاومه , لا أعلم هل تركتنى الممرضه قبل أن أذهب أم راقبت المشهد .. اللعنه على المؤخرات الكبيره !

   المشهد أمامى كصوره تبث بتلفزيون ماركه تليمصر أنتاج الثمنينات مزود بأريل يأتى بالقناه الاولى و الثانيه فقط , صوره غير ثابته , مشوشه و بها الكثير من النغمشه , أرى الغرفه التى بها من خلال تلك الصوره الغير واضحه , أرى نفسى كأننى مستيقظ و فى كامل نشاطى و عقلى فى كامل تركيزه كمن نام عشره سنوات , عقارب الساعه المعلقه على الحائط أمامى غير موجوده , أراها عقارب حقيقيه تتمشى على الحائط فى دوائر عكس أتجاه سيرها داخل الساعه , بدأت الصوره ببطئ تسئ أكثر فأكثر حتى أصبحت الرؤيه معدومه , أنقطع البث نهائيا , أصبحت لا أرى الغرفه ولا أرى جسدى , ظل وش قطع البث مستمر لفتره حتى شعرت بسخونه رياح جعلتنى أتذكر سريعا المكان المظلم الذى كُنت محبوسا به و لكنى هذه المره كُنت أرى جسدى ملقى حدفه على تلك الارض الخشنه , ساكن لا يتحرك و بجانبه بقعه دماء لونها أغمق من ظلمه المكان , أنتابتنى قشعره أنتفض لها جسدى لرؤيه جسدى ميتا فى ذلك المكان الموحش , عقلى متوقف عن التفكير كأن أحدهم عبث بأسلاك رأسى , فقط المشاهد تعرض أمامى بدون تدخل منىِ فى أى شئ , عاد البث مره أخرى سئ لفتره ظللت فيها مفتوح العينين لا أراديا أحملق بذلك الوش المستمر حتى أغمضت عينى بغته و أنسحبت بعنف داخليا .. داخل نفسى !

   صوت تلاطم الامواج الخفيف جعلنى أستيقظ , ببطئ فتحت عينى و لاحظت أشعه الشمس تحاول ممارسه الرزيله معاها , أغلقتها سريعا و أعتدلت فى جلستى فالرمال ساخنه , بعد أن فتحت عينى و أغلقتها عدت مرات واجهت أشعه الشمس و هذا المكان , البحر بألوانه الزرقاء و النخل مُصتف عاليا , الهواء لطيف يداعب خصلات شعرى , أثناء إزاله حبات الرمال من علىِ أدركت أننى سوف أقابل السيده الافريقيه ذات الخمسين عاما , فهذا جسدى متناسق الاكتاف و الصدر و الازرع و البطن المقسمه التى منحتنى أياه , على مرمى السُحب المتراميه فى السماء وجدت البيت الخشبى الذى كُنت به من قبل , هذه المره أرتدى بنطال فقط , أفضل من لا شئ , أخذت طريقى إلى ذلك البيت و الرمال تبث سخونتها بأسفل قدمى حتى وصلت , صعدت سلمتين ثم دلفت إلى الداخل فالباب كان مواربا , الغرفه كما هى منذ المره السابقه , السرير ذو الاربع أعمد و الستائر المتدليه منه فى المنتصف , الطاوله و الكرسى و المرأه التى أرى نفسى بها الان , صوت قدمى على أرضيه الغرفه الخشبيه أعلن عن قدومى لها , مددت رأسى ناحيه الشرفه وجدتها جالسه تدخن سيجارتها المفضله و تصب الشاى فى فنجان مقابل لفنجانها , بدون أن تلتفت إلىِ قالت : بتحب الشاى ؟!

   أقتربت من الشرفه حتى جلست بالكرسى الذى يوجد أمامها و ظللت محملق بها فى محاوله لمعرفه من هذه السيده و ماذا تعرف عنى , تركت المعلقه التى كانت تذوب بها الشاى و أراحت ظهرها على كرسيها البسيط و ظلت مبتسمه لعدد من الثوانى ثم دفنت بقايا سيجارتها فى تنوره كرستال ثم قالت :

_  جو المستشفى كئيب مش كده ؟
_ ...........
_ أتلحقت على أخر لحظه , البنت شكلها بتحبك جدا
_ ..........
_ ايه هتفضل ساكت كتير !
_ معنديش حاجه أقولها
_ أزاى بقى ده أنت سر كبير
_ أنتى مين ؟
_ متسألش .. قالتها بحده ثم أردفت ملطفه : أنت المفروض تشكرنى
_ !
_ أتكتب ليك عُمر جديد
_ الاعمار بيد الله
_ أاااه , هو أنت منهم
_ هما مين ؟!
_ مش ده موضوعنا , شوفت أخره رجوعك لست الدار
_ ايه ؟
_ مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله
_ ده كلام الدكتوره !
_ الجمال مش كُل حاجه
_ قصدك أيه ؟
_ ست الدار عمرها ما جت و سابتك بعدها سليم
_ ..........
_ أنت لسه ضعيف قدامها , لسه فاكر كُل تفصيله فيها , هى عارفه أنك بتحب جسمها عشان كده جت عريانه
_ أنا مش وسخ
_ و مش ملاك , خمسين فى الميه من نيتك لازم تعيد النظر فيهم
_ .........
_ ست الدار مش عايزاك تفضل عايش
_ قصدك أنى المفروض دلوقتى ميت !
_ أنت ميت فعلا , أنت مشوفتش جثتك ولا ايه ؟
_ أمال مين اللى فى المستشفى و مين اللى قاعد قدامك دلوقتى ؟!
_ أنت موووووووت .. قالتها بصرخه صمت لها أذنى ثم أردفت : و مش صعب أقنعك
_ ...........
_ أشرب الشاى

   مددت يدى بكُل برود و لامبالاه و أمسكت فنجان الشاى الابيض ذو الرسومات المتحركه , أفاعى سوداء تلتف حول بعضها البعض , رفعت الفنجان إلى فمى و مع الرشفه الاولى سقط أحد الافاعى فى فمى , شعرت به يتخذ طريقه داخل حلقى ثم من بعدها أحسست بألم رهيب ناحيه قلبى , من فرط الالم أوقعت الفنجان على الارض و نظرت إليها و إلى ثباتها و مراقبتها لى , أخرجت من علبه سجائرها واحده و مع أشعالها نشب حريق داخل صدرى شممت رائحته داخل أنفى ...

_ أنتى بتعملى فيه ايه ؟
_ ..........
_ أنا بموت
_ هتموت
_ !
_ من زمان و أنا مستنيه اللحظه دى , أنت ضعيف و هتسمع الكلام , مفيش قدامك حل تانى , لقد بدأ الامر للتو

   من قال "لقد بدأ الامر للتو" شخص رخيم الصوت , صوت رجل بالغ ممتلئ بالحقد و الشر لم يكن أبدا صوتها , مازال الالم يعتصرنى بكُل عنف و قسوه , سكاكين تذبحنى من الداخل حتى أننى وقعت من على الكرسى و تمددت على أرضيه الشرفه و بدأت الصوره تذهب رويدا رويدا

_ سرعه ضربات القلب بتزيد بسرعه رهيبه و ضغطه بقى عالى جدا , كلمى مدير المستشفى يلحقنى أنا مش قادره أسيطر عليه , جسمه بيتنفض بعنف , هيروح مننا

   المشهد داخل غرفتى بالمستشفى , جسدى ينتفض و سرعه ضربات قلبى كسرت السرعه القانونيه , الدكتوره المتابعه لحالتى تحاول فعل أى شئ ولكن بدون فائده , سيده الدار تقف عاريه خلفها تبتسم بحنانها المعتاد و خلف سيده الدار شابه ترتدى أسدال طويل و بيدها سكين يلمع نصله , أقتربت منىِ و سددت عده طعنات متفرقه فى أنحاء جسدى و سيده الدار لم تتحرك ساكنه لى تمنعها ...

_ فى نزيف يا دكتور من كُل حته فى جسمه معرفش جه أزاى و منين , بينزف كتير جدا
_ غريبه جسمه مش بيستجيب للمهدئات , هاتى بسرعه جهاز الصدمه الكهربائيه

   هرعت الطبيبه لكى تأتى بالجهاز و حاول مدير المستشفى السيطره على النزيف و ضربات قلبى المتسارعه و لكن بدون فائده جهاز رسم القلب كاد يحرق من سرعه خطوطه الخضراء المتراقصه بعنف و عداد الضربات الذى جاوز الحد المسموح به منذ زمن

_ الجهاز يا دكتور
_ كُله يوسع .. 1 , 2 , 3

   تقوس ظهرى من شده الصدمه الكهربائيه و لكنها لم تاتى بنتيجه , أعاد الرجل المحاوله مره أخرى و مع الصدمه الثانيه رأيتنى بجسدى التى منحتنى أياه السيده الافريقيه واقف عند طرف السرير و سيده الدار و صاحبه الاسدال أمامى بالطرف المقابل للسرير , أنظر إليهم بملامح يملئها الغضب و العبوث , تغيرت ملامحهم عندما رأونى أمامهم , نظرت إلى و أبتسمت ثم قلت لم ينتهى الامر بعد لقد بدأ للتو , أشعر أننى فى أفضل حالتى بهذا الجسد المتناسق , الصدمه الكهربائيه الثالثه أنتهى معها كُل شئ , سكن جسدى بلا حراك و أختفت سيده الدار و صاحبه الاسدال كما أننى أختفيت أيضا من أمامى , عندها أطلق جهاز رسم القلب صافره طويله تعلن وفاتى رسميا , نزع الطبيب الاسلاك من صدرى و قال إلى الطبيبه المساعده :


_ ساعه الوفاه 10 : 4 الفجر

الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

( 6 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 6


35 : 10 صباحا ...
مستشفى القصر العينى ...
العنايه المركزه ...

   بدأ جهاز رسم القلب يرسم خطوطا غير مستقره بجانب سرير محاط بستائر زرقاء اللون أسمع من خلفها أنين المرضى , حركت أصابعى بصعوبه على الاسلاك التى تمر فوق صدرى و فتحت عينى ببطئ , من بين شكائر الاسمنت التى سدت جفونى تأملت ضوء لمبه نيون معلقه فوقى , طرقات الصداع تدوى فى رأسى كطرقات حداد سئ المزاج , أغمضت عينى و فتحتها مره أخرى لم يتغير شئ , لم أعرف سبب عدم قدرتى على الرؤيه من بعيد جيدا , كأننى أريد مسح عينى و أزاله ما عليها حتى أرى جيدا , فجأه شعرت بألم شديد خلف رأسى و كأن يوجد حجر أسفلها , ببطئ رفعت يدى و تحسست أسفل رأسى حتى شعر بصدمه كهربائيه أنتفض لها جسدى , لن أحاول مره أخرى , وضعت يدى بجانبى و أغمضت عينى لعده دقائق أستوعب حالتى و المكان الذى أرقد به بدون حراك , خلال تفكيرى سمعت صوت الستائر تُسحب إلى نهايه السرير و رائحه عطر أنثوى و طبيبه شابه تصوب كشاف ساطع لحدقه عينى : سامعنى .. تقدر تتكلم ؟

   صوتها بعيد كأنه أتِ من مسافه شهر , حاولت فتح فمى المتحجر و البحث عن لسانى و لعابى الجاف ...

_ حمد لله على السلامه
_ أنا فين ؟
_ القصر العينى
_ بعمل ايه ؟

   أنتهت الطبيبه من قياس ضغطى ثم قالت :

_ لا تمام .. تمام , أنت كده مش محتاج تفضل على جهاز الضغط
_ أنا بعمل ايه هنا ؟
_ دول كام ؟
_ انا عنيه مزغلله و حاسس بصداع جامد
_ كل ده من تأثير الخبطه اللى فى دماغك .. دول كام ؟
_ تلاته .. ايه اللى حصلى ؟
_ أغمى عليك و وقعت على راسك , الخبطه اللى فى راسك هى اللى عمله الصداع و زغلله العين , بس متقلقش الزغلله تأثير وقتى لكن الصداع هيستمر شويه
_ طيب هو أنا أغمى عليه ليه ؟
_ مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله , الكلام ده من حوالى عشره أيام , أنت ليك قرايب ؟
_ لا أنا عايش لوحدى
_ طيب فاكر ساكن فين ؟
_ اه فاكر
_ عموما فى أنسه هى و راجل بيتكلم لغه غريبه كده هما اللى جابوك يوم ما أغمى عليك
_ البواب
_ طيب كويس , أنت فاكر أهو كُل حاجه , هسيبك تستريح دلوقتى
_ أنا الصداع هيموتنى , زائد أنى حاسس بوجع ناحيه قلبى

   بدأت تعيد فحص نبضى ثم قالت :

_ الوقعه اللى وقعتها على راسك مش سهله , الصداع هيستمر معاك و ممكن تحس بأعراض الصداع النصفى كمان على فترات , كويس أنك لسه بتشوف , وقعه زى دى بعمى على طول , الزغلله مع الوقت هتروح , الوجع اللى ناحيه قلبك ده من المجهود اللى أتعرضت له عضله القلب و سبب دخولك فى غيبوبه , مش عايزه أقولك بس أى مجهود زياده بأزمه قلبيه على طول .. أنت أتلحقت على أخر وقت أكتر من كده مع النزيف كان زمانك مش قاعد قدامى و بنتكلم

   أجمعت أشيائها و قبل أن تهم بالرحيل قالت :

_ لولا الانسه و البواب اللى جابوك هنا كان ممكن الامر يبقى أسوء .. متنساش تبقى تشكرها , هى جارتك و ساكنه معاك فى نفس الدور

   قالت جملتها الاخيره و رحلت ساحبه معها عطرها و أبتسامتها التى لم تخفى طول حديثنا , حديثنا الذى أخبرتنى فيه أننى أصبحت مريض و مهدد فى أى وقت بأزمه قلبيه , قالت جملتها الاخيره و تركتنى أصارع أسئلتى بين الستائر الزرقاء

   بعد ساعتين من الفحوصات أستسلمت فيهم للأطباء و الممرضين كقطعه قماش باليه جاءت الممرضه و خلعت عنى الثوب المشقوق من الظهر - ثوب المستشفى - و أفرغت القسطره و مسحت جسدى بالماء البارد و تركتنى مع الألم و مع صداع رأسى المزمن , الان أصبحت مفشوخ نفسيا و جسديا , الان أصبحت بقايا أنسان يحاول الحياه بقوه الدفع , لم تعد الحياه متوقفه كما سبق , لقد أصبحت تعود إلى الخلف بدون مرايات توضح الطريق , لا أراديا خارت قواى و غِط فى نوم عميق كمن تدفن رأسه فى الرمال

   _ أنا معاه دلوقتى فى العنايه .. دخلونى بالعافيه .. اه , اه .. هو نايم حاليا .. سألت الدكتوره عليه , حالته مستقره بس أنا مش مطمنه .. خايفه أوى عليه .. ده مبقاش نافع يا بنتى .. أن شاء الله يقوم منها .. أدعى له يقوم بالسلامه , يارب يا حببتى .. يلا باى

   تنبهت لصوت رقيق به بحه مميزه و نغج أنثوى ساحر مع جمله "ده مبقاش نافع" , فتحت عينى برفق حتى رأيتها , تلك المره الاولى التى أراها فيها عن قرب , شعرها البُنى الناعم المرفوع إلى أعلى و مُحكم من الخلف بعصاه من المطبخ الصينى و خصلتها الحمراء المجنونه مع نظاره شمسيه فوق رأسها , بشرتها ملساء تلمع مع نيون اللمبه التى فوقى و نغزه محفوره بخدها الايمن كمثل التى أملكها , اليوم شفتيها و أظافرها بلون الروز و عطرها هو دائما الذى كُنت أستنشقه عند مراقبتها و التصنت على باب شقتها , اليوم ترتدى "سويت شيرت" أبيض عليه كلمه "STOP" محفوره على صدرها الرائع و بنطال جينس به لمعه بيضاء خفيفه يرسم وركيها بحرفيه و حذاء رياضى , ممسكه بيديها مفاتيح شقتها و مفاتيح السياره , لم تأتى بشنطه يد !

_ ... أن شاء الله يقوم منها .. أدعى له يقوم بالسلامه , يارب يا حببتى .. يلا باى

   أنهت مكالمتها و نظرت إلى حيث وجدتنى أنظر إليها بعين ثابته و أبتسامه سعاده تريد أن ترسم على وجهى رغم حالتى , أبتسمت بأستغراب و قالت :

_ أنت صاحى من أمتى ؟
_ من ساعه ده مبقاش نافع

   أبتسمت حتى ظهرت النغزه اليُمنى بخديها الابيض المتورد بعين ثابته تقتحمنى بهدوء و حرص ...

_ أنت مشوفتش نفسك كُنت عامل أزاى ساعتها , ده .. توقفت لثوانى ثم أردفت :

_ هسيبك دلوقتى عشان أنا دخلت ليك بالعافيه و كده طولت جدا , خلى بالك من نفسك و أنا هعدى أطمن عليك كُل فتره , مفتاح الشقه بتاعك معايا , لو حابب أجبلك حاجه منها معايا المره اللى جايه ولا حابب البواب هو اللى يجى ؟
_ بواب ايه , لا لا انا مش ناقص أفضل أفك فى طلاسم طول ما أنا بتكلم معاه
_ ده بجد طيب و هو اللى جى معايا على المستشفى لما حصل اللى حصلك .. يلا أسيبك ترتاح دلوقتى , سلام

   وضعت يديها على يدى و الاخرى على جبينى و نظرت فى عينى لعدد من الثوانى شعرت كأنهم قرن من الزمن , قرن من السعاده , أبتسمت لها و ظللت محافظ على بقائى مستيقظ حتى رحلت و أدركت وقتها أنى لن أندم مره أخرى على من رحلوا !

الأحد، 22 ديسمبر 2013

( 5 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 5


   سأقف تلك الليله وحدى ، تتساقط عنى الذكريات ، و يبعثر الهواء أشلائى لأذهب و أتمسك بذرات المزيكا المتناثره هنا و هناك , تلك الليله سأكون بلا قمر يهدينى للطريق الذى طالما بحثت عنه , سوف تصبح السماء و الارض لوحه واحده سوداء , لن أرى أى شئ , غلق عينى و فتحها مره أخرى لن يفيد فالمشهد بالداخل لا يفرق كثيرا عن الخارج , النجوم تعتذر عن القدوم هذه الليله و الرياح دافئه تأتى من جميع الاتجاهات , لا يوجد صوت يعلو فوق صوت الرياح و ذرات التراب المتناثره , فقدانى للرؤيه أمامى جعلنى أجلس على الارض , فقد ألم بى دوار و بالكاد أحاول الحفاظ على التوازن , التوازن الذى سوف يختفى بعد أن يضرب رأسى صداع نصفى من الظلام الشديد و عدم القدره على تحديد الاتجاهات , الارض التى أجلس عليها دافئه , خشنه , عليها الكثيره من التراب و الحصى , أشعر أننى فى موقف سيارات كبير به العديد من عواميد الاناره , أشعر أننى وحيد , حقا أنا وحيد فى ذلك المكان , شعور الوحده يختلف كثيرا عن ممارستها , بؤبؤ عينى متسع عن أخره من شده الظلام , أشعر أنه سوف يتمزق , فى ذلك الموقف تأتى الهواجس محمله على سيارات نصف نقل و تبدأ بالانفراد بك و مهاجمتك من جميع الاماكن , كأن شئ سوف يأتى من خلفك ليفترسك , أسد أم ثعبان أم دب القطب الشمالى لا يهم , ما يهم أننى سوف أصبح فريسه فى نهايه الامر , أو أن الارض التى جالس عليها سوف تختفى و أسقط إلى الهاويه حتى أرتطم و تتناثر أشلائى فى كُل مكان , لا مجال لطرد تلك الهواجس من رأسى , أحتاج إلى نور فقط شعاع بسيط أسير نحوه و يحدث ما يحدث , لا أريد الجلوس هنا كثيرا !

   بدأ الدوار مع طرق الصداع لرأسى المسكين , تكورت على الارض كالرضيع فى بطن أمه و الرياح الدافئه و الحصى تلفح وجهى بدون توقف , ظللت على ذلك الوضع لفتره أفكر كيف وصلت إلى ذلك المكان , أحاول أرجاع الشريط مره أخرى , أين كُنت قبل ذلك ؟ , حاولت كثيرا أن أتذكر و لكن بدون جدوى , الصداع أفسد ذراع أسترجاع الاحداث و أفسد ما تبقى فى رأسى من سلوك , أرتميت على ظهرى و فرد يدى الاثنين يمينا و يسارا و فتحت عينى فى محاوله لرؤيه لا شئ و لكنه أفضل من غلقها و تخيل أشياء مرعبه , تمنيت النوم بشده , تمنيته أكثر من الطعام و الماء , أشعر بضغط كبير لا يستطيع أحد أن يتحمله , جسدى مُنهك إلى أبعد الحدود , مع الوقت بدأت أنفى تنذف , طعم الدماء على شفتى يقول أننى أنزف و بغزاره , لم أقوى على رفع يدى لوقف النزيف , ثقل رأسى و ضربات قلبى التى بدأت تقل و نَفسى الذى لم أستطع أخذه جعلنى أنهار فى هدوء , صوت الرياح توقف و لم أعد أشعر بدفئها , عينى أنفجر منها نهر صغير يشق طريقه على وجهى المتيبس و روحى بدأت تتحرك بداخلى حتى لم أعد أسمع صوت دقات قلبى .. مبروك لقد موت الان !

   ما سوف تجده غريبا أن عند موت الانسان يكون مدرك جيدا أنه فارق الحياه , يرى جسده مسجى على الفراش و لكنى لم أنُعم بتلك الرفاهيه فأنا لم أرى جسدى من شده الظلام ...

   تحركت أناملى بصعوبه على الفراش الناعم المستلقى عليه كريشه وقعت من طائر يُحلق فى الفضاء , فتحت عينى ببطئ و من بين خيوط العُماص التى تشابكت حولها , تأملت الضوء المنبعث من النافذه , بدى كأنه سيوف تخترق عينى , مازالت طرقات الصداع تدق رأسى و لكن خفت حدتها عن زى قبل , أغمضت عينى و فتحتها مره أخرى , رفعت يدى فى بطئ أتحسس أنفى , لم أجد للنزيف مكان فقد توقف , الهواء يخترقنى من كُل مكان , نظرت أسفل الغطاء لم أجدنى مرتدى شئ من رقبتى حتى قدمى لم أجد ما يسترنى , أين ملابسى ؟ , ما هذا المكان ؟

   بدأ الهواء يداعب الستائر البيضاء المعلقه فوق نافذه تتوسط حائط خشبى , غرفه حوائطها خشبيه و سقفها مرتفع , أتساع عنبر من عنابر المرضى بمستشفى حكومى , يتوسطها سرير كبير له أربع قوائم مرتفعه إلى أعلى و معلق عليها ستائر بيضاء نافذه للضوء تناسب إلى أسفل , بالخارج يوجد بحر صافيه ألوانه , صوت أمواجه الرقيق يعلن عن وجوده , أمام السرير يوجد باب و على اليسار يوجد باب اخر مفتوح يطل على بلكونه مربعه الشكل تطل على الشاطئ , بجانب السرير طاوله و كرسى و أرضيه خشبيه مفضوحه سوف تعلن عن قدوم أى شخص من مسافه شهر لمجرد طرق قدمه عليها !

   أغمضت عينى مره أخرى و فتحتها بعد أن أستغرق الامر بضعه دقائق فى محاوله للتخلص من الصداع و فى تلك المره التى فتحت بها عينى رأيت سيده تجلس بالشرفه تدخن السجائر , تنظر إلى فى هدوء مبالغ فيه , هى فى العقد الخامس , متوسطه الحجم و الطول , سمراء لون البُن الفاتح , شعرها متعرج و قصير يكاد يلامس طوله أكتافها , ملامحها أفريقيه بعض الشئ و لكنه الجمال الافريقى , ترتدى جلباب أبيض و به العديد من النقوش و الزخارف و الخياطات المتقنه الصنع و الرسم , عيناها عسليه اللون , معلق برقبتها سلسله جاهدت كثيرا لمعرفه ما يوجد بها و لكنى لم أستطيع التحديد , يوجد على يديها نقش يبدو وشم و يبدو حنه و لكنه كان يمتد من كف يديها حتى أصابعها , ظللت أحملق بها كثيرا منتظر أى رد فعل منها و لكنها أستمرت فى تدخين سجائرها , من هذه أيضا ؟ , سؤال جديد أنضم إلى أخوته بلا أجابه !

   بحثت بعينى عن أى شئ لأرتدى لكنى لم أجد , لن أظل جالسا هنا مع أسئلتى الكثيره و علامات الاستفهام التى تدور حول رأسى و أيضا لا أعلم متى سوف تنتهى من سجائرها ولا من برودها المتقن الصنع , قمت من على السرير و لففت حول وسطى الغطاء الابيض الذى كان علىِ و تركت نصفى الاعلى عاريا لن يعثرها فى شئ , خلال أحكام نصفى الاسفل نظرت إلى مرأه موضوعه بجانب السرير , نظرت إلى جسد ليس لى , هذا وجهى و لكن الجسد ليس جسدى , رأيت شخص متناسق القوام و مرسوم الصدر و البطن و الزراع و الكتفين , أغلقت فمى من الدهشه و نظرت إليها حيث نظرت إلىِ و أشارت بيديها لكى أشاركها الجلوس , قبل الذهاب إليها سرقت نظره على جسدى الجديد و الصدمه مسيطره علىِ .. نعم هذا حقيقى و ليس جنونا !

   الجو بالخارج كان ساحرا , الشمس فى كبد السماء و السُحب البيضاء متناثره على مئات الكيلومترات و البحر ممتد بألوانه الزرقاء و الهواء لطيف خفيف يداعب خصلات شعرى , لا يوجد أحدا هنا غير هذا البيت الخشبى المكون من طابق واحد ...

   جلست على كرسى بجانبها ولا أعلم حتى الان هل هذا حقيقى أم مجرد حلم من أحلامى المزعجه , أعتدلت فى جلستها و أطفأت سجارتها و قالت :

_ أنت مش بتحلم
_ .............
_ أنت عارف أنك شخصيه غريبه جدا , ليه بتدعى الهروب و أنت لما بتجيلك فرصه تقابل فيها حاجه قديمه بتمسك فيها بكُل قوتك ؟
_ ............
_ ست الدار كانت وحشاك ؟
_ !
_ ليه روحت معاها ؟
_ ...........
_ مسئلتش نفسك أيه اللى رجعها تانى و فى التوقيت ده بالذات ؟
_ أنتى مين ؟
_ أنت عارف أنك بتموت دلوقتى ؟
_ أنا موت خلاص بس معرفتش أشوف جسمى بسبب الضلمه !
_ أمال مين اللى قاعد قدامى ده ؟
_ معرفش , ده مش جسمى
_ طبعا مش جسمك , هو الجسم أيه غير غطا , روحك لسه عايشه , أنت قاعد بتتكلم معايا
_ أنتى مين ؟
_ أنت بتموت , عارف كده , أنت لسه مغمى عليك فى الحمام و لو محدش لحقك هيكتبوا عنك تانى يوم فى صفحه الحوادث
_ ...........
_ نمت ليه مع ست الدار ؟
_ أنا بعمل أيه هنا ؟ و أنتى مين ؟ و فين هدومى ؟
_ جاوب عشان أعرف أساعدك
_ تساعدينى ! , أيه المكان ده ؟ , أنا فين هنا ؟
_ مش هتبطل العاده دى , ترد السؤال بسؤال
_ أنتى عرفتى منين ؟
_ أنت سبت اسكندريه ليه ؟

   جاء سؤالها الاخير كالقشه التى قسمت ظهر البعير , بالتأكيد هى تعرف عنى كُل شئ , كيف عرفت أن سيده الدار أتت لى ليلا و كيف عرفت أننى تركت الاسكندريه منذ فتره طويله و كيف عرفت أننى أحتضر الان بالحمام داخل شقتى , لن أستطيع الهروب منها أيضا , بعد كُل هذا التفكير نظرت إليها و بداخل عينى قرأت أستسلامى لها ...

   أشاحت بنظرها نحو البحر و لاحظت شبح أبتسامه رسم على وجهها ثم أخرجت سيجاره من علبتها و أشعلتها و مع خروج دخان النفس الاول نظرت إلىِ قائله :

_ كده نعرف نتكلم ...

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

( 4 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 4


      .. فقط وافقت على دعوتها للعشاء ليلا !

   لم يتم تحديد أى موعد لذلك العشاء الذى وافقت على حضوره معاها , فقط أقترحت و أنا أمنت ثم أنسحبت إلى شقتها و بقيت فى مكانى لعده ثوانى أستجمع ما وقع منىِ و ما رحل معاها , مسمار جديد يُدق فى قلبى , فأنا أعرف هذه البدايات جيدا , أقتراب مع حذر كطفل مزعج يدق جرس شقه و يجرى صاحبها سمين و أقرع , يجلس بملابسه الداخليه بعد عودته من العمل , يسب و يلعن طوال الوقت كأنه يقضى سنين حياته كمسجون محكون عليه بالمؤبد , هى الطفل المزعج و أنا أدخن سيجاره أمام نافذه غرفتى و بجانبى أغنيه تنبعث من سماعات جهاز التسجيل , مع الوقت أصبحنا أصدقاء فهو يقضى معى ليالى طويله أعانى فيها من البرد و الأرق و مهاجمه الذكريات من حين إلى أخر !

   المطر بالخارج ينهمر بشده و صوت الرعد يكاد يصم أذنى و ينتزع أحشائى , البرق بنوره الابيض يرسمنى على الحائط , يرسم كأئن لم يعرف للراحه موطن ولا للسلام الداخلى جنسيه , ينظر إلى وجهه فى المرأه و يلتقى فى كُل مره غريب جديد يجاهد لكى يستوعب ملامحه , حزنى نشع على هيئتى , أصبح من ينظر إلى يقول لى لماذا أنت حزين اليوم ؟ , ربما تقصد لماذا لست حزين هذا اليوم ؟ , لقد توقفت عن سؤال نفسى هذا السؤال , لم أجد رد و لم أجد من يهتم , بطريقه أو بأخره أصبحت محبوسا فيما مضى , توقف مخى عن أستقبال أى مثيرات جديده لأنشغالها بأشياء قديمه , المضحك فى الامر أننى لم أعد أستطيع السيطره على أى عضو من أعضائى , تفكيرى مشغول بما مضى و عقلى توقف عن العمل و قلبى أنكسرت عصاته و أصبح يزرف مشاعر كثيره أرى أثارها على سريرى كُل يوم عند أستيقاظى من النوم , أما روحى فهى ملك ربى أضعها كُل يوم تحت أرجله لكى يقبلها قبل وقتها , يبقى أنا , ذلك المُتعب , البارد , الانانى , العنيد , الذى يضع النهايات ولا ينتظرها تحدث , نهايات كثيره كتبتها وحدى , وجود أسمى وحده على تتر النهايه يكفى , دور المظلوم لم يعد يليق بى , ما يثير دهشتى أن كُل منا يبكى على ليلى و لكن ليلى لا تبكى على أحد و هنا موطن قوتها !

   ضوء البرق الابيض المتسارع يشبه سياره أتيه من الامام تقلب أنوارها لتحذيرك بأن هناك ردار يلقط السيارات المسرعه و لكن ذلك النور لم ينبهنى بأن هناك من يقف خلفى , يلمع شبحه بزجاج النافذه كلما أضاء البرق الغرفه بنوره , سقطت سيجارتى بعد أن أطفئتها بروده الجو و بكل هدوء نظرت إلى أسفل أستعدادا لرؤيه من سيهاجمنى من الخلف , قبل أن أرفع عينى وجدت أصابع أرجل مطليه بالون لم يترك ذاكرتى يوما , تلك الاصابع المخروطه بعنايه ملك واحده فقط هجرتنى منذ سنوات و تركتنى قطعه أرض خربه غير صالحه للزراعه حاول الكثير أستصلاحها و لكن مراره مياهها الجوفيه جعلتهم يرحلو بلا أمل ولا رجعه , ركبتيها و وركيها و ما بينهم أكد لى أنها هى , تلك البطن الملساء و الخمس نجوم حول سُرتها و نهدين كما الشمس و القمر يدوران بثبات , كيف لا تشعر بالبرد و هى تقف عاريه أمامى ؟ , كيف لا أشعر أنا أيضا به ؟ , لم أنسى تلك الابتسامه المرسومه على شفتيها الان و لم أنسى نظره عيناها الممتلئه بالحنان , لم أنسى أن أقترب منها أكثر و أكثر !

   لم أنسى أن أخبرها عما حدث لى خلال سنوات بعدها و كيف تمنيت قدومها عند كُل مسمار يُدق بقلبى كى تنزعه و تداوى جرحه , فهى أفضل حبيبه يمكنها علاج جرح قلب كانت هى أول من جرحه , هممت بفتح فمى للكلام حتى وضعت يديها التى دائما كُنت أقبلها و قالت بصوتها المبحوح كلام كثير لم أفهم منه شئ بقدر ما شعرت بشئ من السعاده , سعاده أفتقدتها منذ رحيلها عن عالمى , عالمى الذى توقفت عقارب ساعته فى لحظه خروجها , للحظه لمحتنى و انا ممسك بيدى وسطها و سلسله ظهرها كنهر سريع الجريان و شعر يهيم بدلال على كتفيها , لمحتنى و رئيت ملامح أفتقتها فى وجهى منذ زمن , ملامح ذلك الشاب الهادئ الساكن الذى يعيش فى سلام مع نفسه و مع من حوله , للحظه ردت الروح إلى !

   بدون سابق أنذار وضعت يديها على صدرى و همت بتقبيلى و بدون تردد أنسبت كشلال مياه بين شفتيها , أفتقدت طعم التفاح الذى يسيل من بينهم و الشعور بسخونه أنفاسها و التنهيده التى كادت تشق صدرها نصفين , كُل شئ توقف , المطر و الرعد و نور البرق الذى أنطفئ , أساس الغرفه الذى تبخر و لم يعد له وجود , الحوائط الاربعه التى أصبحت بشكل مفاجئ دائريه , الهواء الساخن الذى بدأ يداعب أطرافى و أغنيتها المفضله التى أنطلقت فى المكان , لون الشمس البرتقالى بدء يحل فى هدوء و عوده الحوائط الاربعه مره أخرى و لكن هذه المره حوائط خشبيه و سقف مرتفع على هيئه مثلث يوجد به نافذه ترسل أشعه الشمس فوق سرير يحملها و يحملنى فوقها , يديها تعانق رأسى و أرجلها متشابكه أسفل ظهرى و أبتسامتها و نظره العين الواثقه لم تلمع بهذا الشكل من قبل , أستمر حديثنا الصامت كثيرا كأننا سوف نبقى هنا إلى الابد !

   خلال مراقبه تعابير وجهها و السعاده المرسومه عليه , أغمضت عينها و عضت على شفتيها و أنهمرت الدموع منها ثم فتحتها مره أخرى و هنا أنطفئ نور الارض بغته , من شده الالم فتحت عينى حيث وجدت نفسى ملقى على أرضيه غرفتى و النافذه مفتوحه عن أخرها تطيح بها الرياح يمينا و يسار و المطر ينهمر علىِ حتى أغرقنى , تحاملت على نفسى و على الوجع فى محاوله للقيام لغلق تلك النافذه , بعد غلقها ترنحت حتى الحمام و أفرغت ما فى معدتى و نظرت فى المرأه , وجدتى شاحبا و خلال ثوانى سوف أسقط مغشى علىِ , لم أكمل تفكير حتى شعرت بحجر كبير يسقط على رأسى من الخلف و من بعدها أسود كل شئ !

الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

( 3 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 3


 
   مستلقى على جانبى الايمن بداخل غرفتى المتواضعه , سرير أتساع فرد واحد بجانب الحائط و طاوله بجانب رأسى موضوع عليها جهاز تسجيل كبير نوعا ما أستمع لمحطاته الاذاعيه المختلفه طوال الليل و فوقه نافذه تطل على الشارع و بالجهه الاخرى من الحائط دولاب ملابسى الصامت و فى وسط الغرفه سجاده متوسطه الحجم و شبشب دائما على خلاف مع فرده الاخرى !

   أصبحت كُل يوم أستيقظ من نومى قهرا و ليس كباقى البشر , هذا بخلاف الذهاب إلى الحمام أكثر من مره ليلا , اللعنه على الشتاء و على تلبيه نداء الطبيعه , اللعنه على الوحده و ما تفعله فى مرتديها , اليوم أستيقظت على صوت موسيقاها المنبعثه من شقتها المجاوره لى , أنها الثامنه صباحا موعد نسكافيه الصباح الخاص بها , الثامنه صباحا موعد أستعباطى لرؤيتها أثناء فتح نافذتى كمراهق يجلس تحت منزل معشوقته التى لا تعلم من هو و لكنه يحب الجلوس حتى يراها فقط متأملا جمالها و لكنها لم تكن واقفه كعادتها و لكن الموسيقى كانت تعمل و بصوت ملحوظ , دب القلق بداخلى ولا أعرف كيف خرجت مرتدى قميص مغلق نصف أزراره و بوكسر فوق الركبه لا يثير الرغبه و عينان لم تتأقلم بعد على ضوء النهار , أقتربت من باب شقتها و تركت باب شقتى مواربا تحسبا لهروب سريع قد أحتاج إليه , ألصقت أذنى بين الباب و القائم فى محاوله لسماع أى شئ , فقط صوت الموسيقى بوضوح ولا شئ أخر , أين هى الان ؟! , دائما كُنت أجدها فى معادها واقفه بشرفتها تحتسى مزاجها و تنفخ أنفاسها من صدرها الذى عُلق عليه يافطه ممنوع الاقتراب أو التصوير , هل أصابها مكروه ام تمضى بعض الوقت بداخل الحمام ؟! , الوحده تجعلك تركز فى تفاصيل أى شخص أشائت الظروف أن يكون بجانبك و هى ليست أى شخص أنها شئ يبعث بداخلك الامل و كفى !

   ما الذى أفعله ؟! , و لماذا كُل هذا الاهتمام بشخص لا أعرف عنه أى شئ ؟! , دب الحزن بداخلى دفعه واحده , أبتعدت عن باب شقتها منسحب إلى شقتى بعد ما سمعت صوت الاسانسير يُرفع للدور الذى أسكن به , أغلقت الباب خلفى بهدوء و نظرت من العين السحريه فوجدتها تقف أمام شقتى لثوان شعرت بأنفاسها و كأنها سوف تطرق الباب , كتمت أنفاسى و ساد صمت عميق حتى رفعت خُصله شعرها الحمراء خلف أذنها و لوت شفتيها علامه على تراجعها فى قرار أقتحام حياتى بشكل رسمى , أختفت من أمام العين السحريه و سمعت صوت باب شقتها يغلق على أصبعى , أبتعدت قليل للوراء و كسر الصمت صوت دقات قلبى المسرعه و العرق الذى تكون على جبهتى !

   على كنبتى المفضله ألقيت نفسى و ظللت أفكر , لن أذهب للعمل اليوم , فاليذهب مديرى إلى الجحيم هو و أوراقه و تسلطه و دخان سيجاره المزعج و مديره مكتبه الساقطه , بعد أجراء عده أتصالات لعمل لى أجازه هذا اليوم , قمت أترنح إلى النافذه لكى أشرب سيجاره هى الاولى منذ الصباح , مازالت غياهب النوم تسيطر على فأنا من النوع الذى يحتاج يوما كاملا لكى يفوق , خلال مسحى للشارع الذى أسكن به وجدتها تقف أمام سيارتها المركونه خلف سيارتى و ترتدى ملابس رسميه " بدله نسائى " و إيشارب برتقالى ملفوف حول رقبتها , ربما تعمل فى أحد البنوك المعرفه أو فى شركه من شركات الاتصالات الثلاثه , ألقيت سيجارتى من النافذه و قبل أن أهم فى أرتداء ملابسى لمراقبتها توقفت لثوانى , هل أبدو كأهبل يمثل فى فيلم تجارى أنتاج الثمنينات ؟! , كانت الاجابه نعم , فهى بالتأكيد تعرف سيارتى و سوف تلاحظ تتبعى لها !

  قتلت الوقت تحت أرجلى بين مشاهده التلفزيون و اعداد بعض الطعام و اللف داخل الشقه كنحله تعمل بأجتهاد , أبلغت مجموعه ال " يا " أننى لن أستطيع القدوم ليلا لمجالستهم تظبيط الطاسه , تقبلوا أعتذارى مع تحديد موعد جديد لتعويض التظبيط الفائت فأنت لن تكون مسرورا و أنت غير معتدل المزاج , كان هذا " يا " منهم يحدثنى فى الهاتف و هو أكثر شخص تأخذ منه الحكمه عملا بمقوله ( خُذوا الحكمه من أفواه ال يا ) !

   باقى شهران على الاحتفال بمرور سنه على بقائى فى القاهره , خلال تلك الفتره أنسحبت الاسكندريه من حياتى كأنسحاب المخدرات من الدم , لم أعد أتذكرها كما كان يحدث منذ وصولى , لم أزرها يوما و لم أُلبى دعوه من دعوات أصدقاء حبيبتى السابقه , الألم الذى تسببت فى الاسكندريه لى كان كفيلا بهجرها إلى أخر العمر !

   خلال مشاهدتى لأحد الافلام الوثائقيه , أستوقفنى كيف غرقت سفينه كسفينه " تيتانك " بكل هذا الحجم و روعه التصميم , كيف أستحمل ركابها غرقها و أستقرارها فى قاع المحيط , اكثر من ألف راكب لقى حدفهم غرقا , قطع بحثى فى الامر جرس الباب يعلن عن شخص بقف خلفه , لا يعرف احد عنوانى , ربما يكون البواب يحمل لى عملا و يلقيه علىِ من خلال طريقه كلامه الغير مفهومه , تركت " التيتانك " تغرق بسلام و قمت لفتح الباب حتى وجدتها تقف و عيناها تمسحنى من أسفل إلى أعلى .. توقف قلبى لثوان ثم بعد طرقه عده مرات عاد يعمل مره أخرى . لحظه تمنيتها منذ رؤيتها لاول مره بشرفتها و لكنى لم أعثر على لسانى للنطق بأى شئ .. فقط وافقت على دعوتها للعشاء ليلا !