الأربعاء، 5 أغسطس 2015

( 10 ) الهروب الكبير ! - خريف 2009 - جزء 3



   فقط أسترح ولا تفكر فى شئ و سلم نفسك و رأسك إلى من أنت بين يده الان , هو يعرف ما يقوم به , ليست أول مره ولا الاخيره , جالسا على كرسى جلد كبير و يتساقط على و من حولى على الارض ضحايا الغزو الخارجى , عم (ربيع) الحلاق المفضل لدى على الاطلاق , ذلك العجوز دائما يملك لمسه سحريه فى قصاته , زياره واحده له تكفى أن ترجعك عشرون عاما إلى الوراء , بعد أحتلاله لرأسى و دقنى أكثر من نصف ساعه , قرر الانسحاب بعد أن رأى أن تلك الرأس أصبحت جاهزه للاحتفال , هكذا دائما يقول !
   داخل شقتى و بالتحديد داخل الحمام , وقفت عاريا كما خرجت من بطن أمى , أنظر إلى وجهى فى المراه و أدقق فى كل تفصيله به و إلى سنوات ضاعت من الذاكره , من الطفوله حتى خمس سنوات ماضيه , كل تلك السنوات لا أعرف عنها شئ !
   أشعر كأننى عجوز ملل عزرائل أنتظاره لكى يقبض روحه , أبتسامه حسره أم سخريه أم  تمرد على ذلك الوجه , الوحده تفعل أكثر من ذلك , فقط أستعد لخوض التجربه !
   تجربه العزله الأجباريه , الأبتعاد عن الجميع بما فيهم أنت , أترك أسمك , عنوانك و أحبائك , أترك نفسك و حياتك , شخصيتك و أنفعلاتك , صورك و حبيبتك , أرحل عن ذلك المكان و بيع ذكرياتك لأول بائع روبابيكيا !
   بين الماضى و المستقبل رحيل واجب التنفيذ , عندما تسجن بأرادتك و تُسلم لعالم جديد رسم و خطط لك من قبل , فتاه تحبك و أنت لا , فتاه تهاجمك أثناء نومك و فى احلامك , ألم و مرض بدأ يحتل جسدك و فى أقرب فرصه سوف يقضى عليك !
   لماذا تأتى كل هذه الافكار خلال سقوط الشلال الساخن فوق رأسى ؟! , المياه تعرف كيف تجد طريقها على جسدى , ترسم خرائط و تكتب اسماء , تحتضنى و تحتل مسامى و على وجهى تصارحى , أنا معك , أنا من أجلك !
   منتصف النهار , نافذه صغيره مغلقه فوقها ستاره تنفذ من خلال دوائرها أشعه الشمس تكون خطوط متتاليه على حوائط يعلوها السيراميك الأخضر و المياه مازالت تنهمر بغزاره فوق رأسى , لثوانى أنفصل مع من تأتينى , أسترجعها أم تدعونى إلى عالمها , لست فى حالتى الطبيعيه , هى معى الان , تشق طريقها وسط البخار الكثيف عاريه , أراها قادمه نحوى حتى أصبحت بجانبى و أصبح الشلال الذى ينهمر فوقى يغرقنا نحن الأثنين , يسيل على جسدها و جسدى , يحتلها و يقتلنى , يقربنا , تنظر إلى بكل دلال , لم أنسى يوما رسمه عيناها و شفتيها ترسم أروع لوحات الخيال !
   تقترب و سخونه جسدى فاقت سخونه الماء , أصبحت بداخلها و مذاق تفاحها يداعبنى , نظرتها الواثقه و عيناها نفق فى نهايته نور أمل , أخشى أن لا يكون كما أتصور و يصبح نور قطار لا يعرف الوقوف , صوته يقول أنه قادم لا محال , مثبت لا أستطيع الحراك , قيودها أقوى منى , أستطاعت أن تسيطر على , نظرتها الواثقه حبال تقيد حريتى , لا مفر للهرب ولا طريقه أمامى للنجاه !
   مازال صوته يقترب و يقترب , فى أقل من دقيقه سوف أصبح أشلاء , شهيد تكتب عنه الصحف و المجلات , ربما أستطيع أن أبتعد عنها , أخرج من داخلها , من أحشائها , من روحى و داخل قلبى , عده أمتار و أصبح بقايا أنسان , الدخان يظهر و النور يكاد يعمينى , الأن , الأن ...
   صمت و بخار كثيف , سكوت حتى درجه الازعاج , لا شئ , أنقطعت المياه و نجيت من الموت و منها , لم تعد بجانبى , فتحت النافذه و رأيتها تخرج مع البخار الساخن , أرجوك لا تعودى !

    قبل الفجر ...
   مضى أسبوع على أخر زياره منها , تلك الزياره التى كدت أن أفقد حياتى فيها لولا أنقطاع المياه , طوال ذلك الاسبوع لم أذهب إلى العمل و لم أتصل بأحد و لم أقدم على طلب أجازه , فقط أختفيت و بقيت فى المنزل , حتى (مى) لم تتصل و لم أحاول السؤال عنها !
   لست بخير , أنا أعرف نفسى , لست بخير , مازلت حتى الأن أشعر بجسدها و منحنياتها و لون طلاء أظافرها , مشهدها و هى عاريه لا يفارقنى , دخلت إلى غرفتى و ألقيت جسدى على الفراش , أحتاج إلى الراحه أكثر و أكثر , أحتاج إلى أن أذهب بعيدا , بعيدا عنى , أحتاج إلى شخص أخر يشاركنى أحزانى و همومى و محاولات أغتيالى , أريد أن أنام و أنفصل , تخرج روحى و تذهب إليها , تقتلها و تغتصبها ثم تحرقها !
   ربما بعد ما حدث يتركنى ألم ظهرى و يرفق بحالى و ربما أيضا يقتنع السرطان بعدم طرق بابى , كم أنا ضعيف و قليل الحيله , كم أعشق الوحده و السكون و أبارك الصمت و محادثه الجنون !
   بأمر الألهه توقف عن التفكير و توقف عن التبرير , بأمر الألهه أترك حالك لها أسير , بأمر الألهه , لا , بأمرى أنا أفصل فيشه حياتى ولا مزيد من الحديث !
   الباب الأن يفتح و أرى الطريق أمامى , رأسى تثقل و جسدى على الفراش يسيل , جزيره و الماء فى كل مكان , أشجار و نخل يصتف على الجانبين , يقفون فى أنتظار الدخول إلى عينى , أراهم و أبارك منظرهم , هناك على الشاطئ غرفه زجاجيه و الستائر تغطى جوانبها و أشعه الشمس تتسرب إلى داخلها , يوجد سرير أرتميت فوقه أشاهد السحاب و أستمع إلى موسيقى الأورجازم !
   ذهبت بنظرى إليها تمشى خارجا فى خطوات ثابته على الشاطئ و ترتدى قميص أبيض يكشف عن أرجلها و خصل شعرها تتطاير مع الهواء , لن أستطيع أن أغفل أصابعها المنمقه ولا رسمه أرجلها و عيناها العسليتين , لم أستطيع أن أمنع نفسى من مشاهداتها , الهواء يكشف عنها و عن مفاتنها , تنطق بشفتيها عن شخصيتها !
   من هذه ؟! , كيف جاءت هنا ؟! , و لماذا الان ؟! , ليست (مى) و ليست من تريت قتلى و بالتأكيد ليست (ايمان) , من هذه الحوريه , عندما تختصر جميع النساء فى واحده و عندما تذهب رغبه كل رجال العالم إلى واحده , فمن إذا تكون ؟! , لا أستطيع , فقط أسترخ !
   الهاتف يرن , يزن و يأن , الألحاح متواصل ولا يكف عن الأزعاج , جاهدت جهاد المؤمنين حتى عدلت وضعى و بدأت رحله البحث بيدى عن أين مصدر الصوت , أين أنت ؟! , الأنكار لن يفيدك , مبتكر فقط فى أزعاجى و بعد وقت ليس بطويل وجته و مازال يصر على الرن !
   ليست مصادفه إن كل هذه الضوضاء تسببها (ايمان) , قبل أن أضغط على زر الرد , نظرت إلى ساعه الهاتف و عرفت أنها تتصل لكى تسمعنى الأسطوانه المعتاده عن سبب غيابى أسبوع كامل من دون سبب أو حتى طلب أجازه , سلمت الأمر و ضغط على زر الرد و قلت ...
_ الو .
_ بقالك اسبوع غايب عن الشغل و محدش يعرف عنك حاجه و تلفونك مقفول , ده انت حتى مقدمتش على اجازه , كنت فين ؟!
_ معلش كنت تعبان .
_ صوتك متغير ليه , انت تعبان اوى , تحب اجبلك دكتور ؟!
_ لا مش مستاهله , دول شويه ارهاق و هيروحوا لحالهم .
_ الف سلامه عليك يا (يوسف) , متشغلش بالك بالشغل , طيب اجيلك البيت و اجبلك معايا اى حاجه انت محتاجها ؟!
_ لا شكرا , انا مش عايز اتعبك , ميرسى لأهتمامك .
_ اهتمامى ! , (يوسف) مهما حصل بينا و مهما و صلت العلاقه , انا هفضل اعزك .
_ اوك تمام .
_ سلام و خلى بالك على صحتك .
_ مع السلامه .
   هل مازلت أحلم كعادتى أم هذه المكالمه حقيقيه , (ايمان) رئيس تحرير الأذاعه بكل سيطرتها و رعب العاملين منها و حرب الاعصاب التى بيننا , تتصل و تتحدث بكل لطف بل تقول إن أحتاجت إلى شئ فقط إبلغها , ربما تريد إن نعيد معا بعض أيام الجنون ! 

الخميس، 23 أبريل 2015

لماذا لم أصبح (دولاب) ذلك اليوم ؟



   عندما تشعر بالملل اذهب إلي زاوية غرفتك و تظاهر بأنك (دولاب) و بما انني اصبحت اكره الجلوس بغرفتي كُل يوم بعد العمل و بعد رساله قصيره من صديقتي القديمه لرؤيتها و احتساء مشروب دافئ معاً ، قررت ان اتخلي عن التظاهر بكوني (دولاب) اليوم و أرتديت ملابسي و انطلقت إليها .

   خلال الطريق إلي المكان المحدد لم اكن اجد سبباً مقنعاً لرغبتها في رؤيتي ، لم يكن اللقاء الاخير جيداً ، طوال جلوسي معها لم اعلق علي اي شئ مما قالته لي ، كُنت مثل الكرسي الذي اجلس عليه ربما افضل منه بقليل ، كان ذلك منذ سبعه اعوام و ها نحن الان نلتقي مجدداً .

   رائع يبدو ان المكان ممتلئ عن اخره ، اعشق ان اجلس بمكان مزدحم رغم انني من عشاق الوحدة ، اخرجت هاتفي من جيب البنطال و استدعيت رقمها طالباً منه ان يقول لي اين هي وسط كُل هذا الكم من البشر ، اين هي يا قطعه الحديد الباليه عديمه النفع ؟ ، اللعنه علي التكنولوجيا و قبل ان يقر و يعترف رفعت يديها ملوحه لي ، انا هنا .. انا هنا ، انتي هناك و انا هنا ، حسناً شققت طريقي بين الطاولات و كراسي الجالسين حتي اقتربت منها و علي وجهي ابتسامه صفراء لم استطيع اخفائها .

  قبل ان اجلس و قبل ان افتح فمي عاجلتني بقبله علي وجهي و عناق قصير هذا ما يقولون عنه (السلام اللبناني) شئ يبعث بداخلك الراحه و الهدوء فأدم مازال يبحث عن ضلعه المفقود داخل حواء حتي هذا اليوم ، اثناء جلوسي اختفت الضحكه الصفراء و تملكني الخجل لثواني قليله تعرقت لها جبيني ، لست خاماً و لست محترماً و دائماً مطلق العنان لفمي ينطق بأبشع الكلمات إذا لزم الامر لذلك و لكنني لم اعد افضل الاقتراب من ذلك الجنس ، حياتي لا يوجد بها نساء ، جميع رغباتي انتهت ، اصبحت زاهداً في الحياه ، حياه قاسيه لرجل في الثلاثين مازال شاباً و لكني لست كذلك .

- كيف حالك صديقي ؟
- بخير ، ما تبقي منيِ .
- انت كما انت ، لم تتغير ، لحيتك ، شعرك الاسود و خصلتك المتدليه منه ، القميص و البنطال و نوع سجائرك المفضل .
- اكره التغير .
- ااااه ، سبعه اعوام ، هل تتذكر ؟
- اجل ، اخر لقاء لنا كان منذ سبعه اعوام .
- كان لقاء رائع ، اكثر من رائع .
- ههههههههههه ، اجل لقد اديت دور الكرسي بطريقه محترفه .
- ههههههههههههه ، هذا ما اجده رائعاً بك ، اعترافك بالحقيقه .
- ليس في كل الاوقات يجب قول الحقيقه .
- صحيح .
- ها ، ما سبب ذلك اللقاء المفاجئ ؟
- اولا ماذا تريد ؟ قهوه ام شئ اخر ؟
- لقد توقفت عن شرب القهوه منذ فتره ، من فضلك اريد ليمون .
- اجعلهم اثنين من فضلك ، شكراً .
- نعود مره اخري للسؤال ، لماذا ؟
- لم استطيع ان اجعل الامر يمر هكذا ، هل تتذكر قبل ان نجلس في ذلك المكان منذ سبع سنوات اين كنا ؟
- داخل شقتي .
- هل تتذكر ما حدث ؟
- انتي تعرفين ماذا حدث ، لما كل هذه الاسئله ؟
- انا اعلم ان ذاكرتك سمكيه تنسي الكثير من الامور .
- نعم اتذكر ، طوال السبعه سنوات لم يفارقني مشهد حبورك بعد اكتمال النشوه و كيف تقفزين علي السرير في سرور و بهجه و انتي تحاولين ان تساوي شعرك بيدك ثم تلتصقين بي كهزه صغيره تبحث عن الدفء و الامان ، عندها كنت افرح كثيراً ، لاني استطعت ان امنح معشوقتي ما يليق بها من مسرات الجسد ، كما وهبتني هي سعاده لا مثيل لها و اختفت سبعه سنوات و تجلس امامي الان لتذكرني بما لم استطيع يوماً ان افقده من ذاكرتي ، لماذا اتيت اليوم لرؤيتك ؟ ، لماذا استجبت لتلك الرساله المقتضبه منك ؟ ، لماذا لم اكن (دولاب) هذا اليوم ايضاً كما كنت في الايام السابقه ؟
- لقد كنت خائفه ، اجتهدت كثيراً حتي امهد لك ما سوف افعله ، تلك الجلسه ، ذلك المكان ، صمتك و عدم تعليقك علي حديثي منذ سبع سنوات اخذت القرار و نفذته و لكن الان ...
- لا يوجد الان ، اصبح لا اصلح للعلاقات العاطفيه و فأنا مختل عقليا و اتعاطي المخدرات و بداخلي جني ايضا .
- ماذا ؟ ، انا فقط اريدك في حياتي ، مره اخري .
- يبدو ان عقلك في مؤخرتك الرائعه من كثره الجلوس عليه لم يعد يعمل .
- ماذا تقول ؟!
- انتي فتره من الحياه و انتهت ، سوف اعود إلي سابق عهدي ، لا احب احد و لا انتظر احد ولا اتعلق بالناس او الاماكن .. او الاشياء كثيراً
- لا ترعبني الكلمات التي قولتها ، الذي يرعبني الكلمات التي لم تقولها بعد !
- عزيزتي اتقن جيداً كيف ابتعد و كيف يصبح حديثي بارداً و كيف تصبح كلماتي قاتله .
- مازلت اريدك .
- و انا لا .
   
   سمحت لها ان تذهب اولا حتي لا اتركها وحدها و ارحل ، اخذت نفساً عميقاً و كأني انتهيت من تلك العلاقه الان و ليس منذ سبعه سنوات ، اخرجت سيجاره و اشعلتها و زرفت انفاسها في هدوء ، هدوء ما قبل العاصفه ، انا بخير و لكني ادور في حلقات مفرغه بنفس قصير ، ما زلت احتفظ بروتيني اليومي الممل و بعاداتي السيئه ، بضعه سنوات اخري و لن اجد نفسي ، يجب ان يتوقف هذا كله ، نقطه ...


و من البدايه !

الاثنين، 30 مارس 2015

( 9 ) الهروب الكبير ! - خريف 2009 - جزء 2


خريف 2009 ...
   أنتهى اليوم فى الأذاعه ببطئ شديد , فألم ظهرى قد تمكن منى بسبب الجلوس لفترات طويله , أحتاج إلى أن أرتاح و كل هدفى الأن الذهاب إلى البيت و لكن تم إبلاغى إن الممله تريد أن أذهب إليها فى مكتبها الأن , نعم هى (ايمان) , لم أكن فى حاله تسمح للأستماع إلى الهراء الذى تنطق به !
   الساعه الأن الحاديه عشر مساءا , تركت الأذاعه و توجهت إلى سيارتى و لم أقابلها , الجو هادئ , لا رياح ولا هواء فقط صمت و سكون و رائحه خشب محروق تملا الجو , إنها الرائحه المفضله لدى , أشعلت سيجاره ملفوفه و أحرقتها داخل صدرى أحتفالا بحاله الجو التى لا تتكرر كثيرا , ركبت السياره و أنطلقت إلى المنزل , فتحت باب الشقه و ألقيت المفاتيح و عصام و نرمين و أشرف على الطاوله , أخذت طريقى إلى غرفتى , بدلت ملابسى بعد حمام سريع و بعض الأسئله الوجوديه , تناولت دواء ألم الظهر فى محاوله لأخراسه لكى يتركنى قليلا أنام ثم يعود بعد ذلك !
   عندما تنفصل عن الحياه ...
عن العالم ...
عن جسدك ...
عن عملك و مديرتك ...
عن رئيس البلاد و حزبه ...
   عندما تنفصل عن كل هذا و تسلم نفسك بأرادتك للنوم , كمريض يأخذه البنج فى رحله إلى اللامكان و سرعان ما يعود الى أرض الواقع , هكذا أنا و النوم !
   عند دخولك الغرفه , تجد أمامك سرير و بجانبه دولاب و مكتب و نافذه مغلقه فوقها ستاره لونها أبيض , أحتل التراب خيوطها و فوق المكتب هاتف لا يمل الرن كأن من يتصل يعلم أننى هنا , على أحد الحوائط يوجد مراه أيضا التراب أحتل مساحه كبيره منها , فوقها ساعه حائط معلقه توفيت عقاربها عند الواحده و النصف , لا أعلم إن كانت صباحا أم مساءا , الرن مستمر و الالحاح مستمر , تبا لذلك الهاتف اللعين !
   بجانب السرير يوجد طاوله صغيره و فوقها كتب تنميه بشريه و روايات كثيره لم يتم الانتهاء من قرأتها و زجاجه مياه , الماء الذى بداخلها أصبح له لون الصفره , مازال يطلب ولا يمل ولا يكف عن السؤال , يوجد برواز معلق به صوره أحد الأشخاص , أعتقد ربما شاهدته فى مكان ما , لكن لا أتذكر أين تحديدا , هناك فى أحد أدراج المكتب مفتاح سياره موديل سنه 1998 , نعم أنها نفس الماركه التى أفضلها , لا أعلم كيف أغلق هذا الهاتف المزعج ؟!
   أشعر بالمرض , قلبى يألمنى منذ فتره , كأن رصاصه أخترقته و أستقرت بداخله , أريد أن أرتاح , أستلقيت على السرير فى محاوله لتهدئه سرعه ضربات قلبى , اللعين يمكن أن ينقلب على سرعه هذه الضربات و أرحل أنا عن العالم , كفى رن , كفى زن , كفى تلك النغمه الحمقاء !
   كانت واقفه عند النافذه , ترتدى قميصا أبيض كشف عن أرجلها و جزء من صدرها , تقترب فى أبتسامه كأنها وجدت ما تبحث عنه , شعرها يرتطم كأمواج البحر على كتفيها , أقتربت حتى اصبحت بجانبى , شخص ما يلمس يدى , نعم أنا أشعر بأًصابعه تتشابك بأصابعى , نعم أنا متذكر تلك اليد جيدا , ذلك الكف الخشن نوعا ما و الخطوط البارزه به , خط الحياه و القلب و العمر , خطوط ضعت بداخلها !
  
   الهدوء يسود المكان , حطام فى كل اتجاه , بقايا زجاج متناثره على جانبى الطريق و عمود اناره وحيد ينشر اشعته فوقى .. هكذا كانت حالتى مستلقى على جانب الطريق و اشعر بضيق شديد من وجودى فى هذا الجسد المتهالك

   لم اكن اقوى على الحراك او فعل اى شئ و فجأه شعرت بحاله من الهدوء و السكينه لم اشعر بها من قبل , نعم اشعر بذلك جيدا .. فكانت روحى تسحب من جسدى فى هدوء و انا ملقى على جانب الطريق و بقايا حطام السياره فى كل مكان و مازال عمود الاناره يبعث اشعته فوق جسدى الهامد 

   ارتفعت حتى اختفى كل شئ و بعد فتره وجدت نفسى داخل مكان اشبه بقاعه كبيره لا يوجد بها سوى مقعد وحيد و معلق على حوائط هذه القاعه شاشات متلاصقه لا تبث اى شئ و للحظه ادركت اننى داخل " مكان الانتظار " لم اهتم بأستيعاب ذلك المكان بقدر ما كنت افكر فى رد فعل ابى و امى على خبر موتى .. و اثناء انشغالى فى التفكير بدأت الشاشات تعمل 

   اقتربت منها و شاهدت اناس كثيره ترتدى ملابس سوداء و اصوات الصراخ تأتى من كل مكان , هذا ابى و هذه امى و هولاء اقاربى و اصدقائى .. ارى نفسى داخل الصندوق الخشبى و الجميع من حولى فى طريقهم الى ما يعرف " بالمنزل الاخير " .. اراهم جميعا و اشعر بما داخلهم 

   بما اننى داخل ذلك المكان فاربما امامى بعض الوقت حتى ارى كيف حالهم بعد رحيلى , هذه سيارتى كما هى منذ الحادث و اثار الدماء عليها امام المنزل .. و هذه امى دائما صامته تنظر كثيرا الى صورتى و الدموع لا تفارق عينها 

هذا ابى يجاهد حتى يتقبل صدمه موت ابنه الوحيد بعد كل ذلك العمر .. فهما حقا يحبانى , اما اقاربى فكان الحزن داخلهم كبير ربما كنت اعنى لهم الكثير و هذه صورتى داخل منزل كل منهم 

اشعر ان الجميع يفتقدنى و انا افتقد الجميع , حياتى سارت فى هدوء و ايضا رحلت بعيدا و فى هدوء .. اسعى الان حتى اتقبل هذا المكان الذى اقيم به , هل سأقابل احد ؟! .. ام سأظل وحيدا هنا ايضا ! هل سأقابل ارواح اخرى تتحدث معى و اتحدث معها ؟! .. فأنا لا اريد ان ابقى وحيد لا اريد ان ابقى وحيدا


      قمت ملدوغا من النوم على صوت الهاتف , غارقا فى العرق و الحيره و قلبى يدق يعنف , هل مازلت أحلم أم هذا حقيقى , نظرت إلى ساعه الحائط , أنها لا تعمل و لكنها واقفه على الواحده و النصف , هل مازلت أحلم أم هذا حقيقى , أسرعت إلى الهاتف و نظرت إلى الشاشه و الخوف مسيطر علي , مازال الرن مستمر من رقم غريب , ترددت قبل أن أضغط على زر الرد ثم فعلتها قائلا ...
_ الو !
_ وحشتنى يا جبان .
_ (مى) , وقعتى قلبى , بتتكلمى ليه من نمره غريبه ؟!
_ تلفونى فاصل , ثم تعالى هنا , يعنى ايه وقعت قلبك يا استاذ , ها , انت معاك حد ؟!
_ حد ايه بس , انا قمت مفزوع من صوت الموبيل .
_ طيب ايه بقى , هشوفك انهارده , ايه رأيك نتغدى سوا مع بعض فى وسط البلد ؟!
_ امممممم , اوك , تمام , موافق , اشوفك على الساعه تلاته كده , (مى) بلاش تتأخرى كالعاده .
_ هتلاقينى فى المعاد يا فندم , يلا باااى يا (جو) .
_ سلام .
   (مى) أربعه و عشرون عاما من الجمال و الحيويه و النشاط و حب الحياه , نادرا عندما تقابل مثلها , كل ما أعرفه أنها تحبنى كثيرا و أنا لا , لا أعرف , أحاول و هى تحاول معى , ربما مع الوقت أبادلها نفس الشعور !
   تركت الهاتف و توجهت إلى الحمام و مشاهد الحلم مازالت تعرض أمامى , لا أعلم لماذا لا تكف عن مزاولتى كل فتره ؟! , لماذا لا تذهب ذكرياتها كما ذهبت هى ؟! , أسئله كثيره تدور داخل رأسى عند كل مره تأتينى أثناء نومى , أفكار و تساؤلات تركتها تنهمر مع الماء السائل فوق رأسى , كم من الحزن بداخلى لا يوصف حتى أسئلتى الوجوديه هربت منى , فقط وقفت أمام مراه الحمام لا أرى شئ , أزلت البخار من عليها بيدى و نظرت إلى نفسى و إلى ثمانيه و عشرون عاما مضت !
   أرتديت قميص و بنطال و صففت شعرى و حددت ذقنى الكثيفه نوعا ما , وجودها يشعرنى بالامان لسبب لا أعرفه , أعدتت فنجان قهوه و لفتت خمسه سجائر فقط , فعند أخر مره كُنت بها عند دكتور الصدر , قال لى إن صدرى أصبح كمدخنه كبابجى لا يراعى الله فى اللحم الذى يقدمه إلى الذبائن و أنا على كل حال لا أريد أن يتمكن سرطان الرئه منى !
   بالنظر إلى سنى فأنا كما يقولون فى عز الشباب و لكن بالنظر إلى حالتى الصحيه و التقارير الطبيه فأنا منتهى الصلاحيه منذ زمن و لكنى أعيش ببركه دعاء الوالدين "رحمهم الله" , أستقليت سيارتى و شاهدت مسرحيه الازدحام المرورى بل أصبحت أحد المشاركين فيها و كالعاده وصلت إلى العمل متأخر ساعه و نصف , لم أقم بعمل شئ مميز خلال وجودى بالاذاعه , فقط حديث خفيف مع بعض الزملاء و مراجعه بعض الاشياء التى تخص البرنامج !
  
   طوال جلوسى بالعمل , أحرقت أربع سجائر محشوه و ثلاثه أكواب شاى و كدت أن أحرق (ايمان) رئيسه التحرير , رقم قياسى بالنسبه الاوقات السابقه , بقى سيجاره واحده سوف أدخنها مع (مى) بعد الغداء , فقد وعدتها أن أخفف التدخين تدريجيا !

   وسط البلد , الساعه الثالثه بعد ظهر اليوم , حيث الأزدحام الشديد و درجه الحراره العاليه , تلك المنطقه من القاهره دائما ساحره و لكن ليس اليوم , وسط القاهره أو كما يعرفها سكانها "وسط البلد" هى القلب التجارى للمدينه المزدحمه و تشمل أحياء : الدرب الاحمر , الموسكى , الخليفه , المقطم , باب الشعريه و السيده زينب , وسط البلد من اقدم احياء القاهره و احسنها و ارقاها تخطيطا و بها عماره شهيره بناها الخديوى "اسماعيل" أبان أفتتاح قناه السويس لتكون واجهه مشرفه لمصر و تم تخطيطها وتصميمها على أحدث الطرز الأوروبيه المعماريه و تم أدخال الاضاءه في شوارعها قبل ان تدخل شوارع باريس !
   المدينه العريقه تغرق فى الازدحام و التلوث و أبواق السيارات , جاهدت كثيرا حتى أستطعت أن أركن السياره فى أحد الشوارع الجانبيه المتفرعه من شارع "عدلى" , خلال دقائق كنت جالسا فى أحد المطاعم الشهيره هناك منتظرا (مى) , المطعم الذى أجلس على أحد طاولاته تأسس سنه 1934 و تم تجديده , يتكون من طابقين يغلب عليهم الطابع المحلى العريق مع تصميم عالمى دقيق , يوجد على جانبى المطعم نوافذ عاليه عليها صور "وسط البلد" و القاهره منذ القرن التاسع عشر , الإضاءه عباره عن ثلاث لمبات معلقه في سقف مرتفع جدا و قطع الأثاث مطليه بالألوان البني و الأخضر بدرجاته و تعطى إحساس بالراحه و الرجوع للطبيعه !
   الديكور و تصميم المكان يعطى المساحه الداخليه حقها , كل طاوله ليها خصوصيتها و مساحه خاليه حواليها , سرعان ما تصبح فريسه للكراسي الجلد الكبيره المريحه في وسط المطعم ، كل طاوله بها أربع كراسى و لكن كل ما أحتاج كرسيان لى أنا و (مى) التى لم تأتى حتى الان !
   بعد لف سيجاره و تأمل للمكان و مراقبه تصرفات بعض الاشخاص , بدون أى مقدمات طبعت على وجهى قبله و جلست ...
_ اتأخرت عليك ؟!
_ لا ابدا , ده انا حتى لسه موصلتش !
_ اااه بتتريق , يبقى زعلان عشان اتأخرت عليك , السكه زحمه يا (يوسف) , انت عارف "وسط البلد" و زحمتها , زائد ان شارع "عدلى" صعب تلاقى فى ركنه , انا بالعافيه ركنت عربيتى فى شارع جانبى قريب , متزعلش بقى .
_ انتى عارفه مش بحب التأخير و دايما بكون موجود قبل المعاد .
_ اه , بأماره (ايمان) اللى بتصوت منك بسبب تأخيرك كل يوم ساعه ونص على الشغل ... قالتها و هى مبتسمه .
_ بلاش سيرتها دلوقتى الله يكرمك , ها , مبسوطه فى شغلك الجديد ؟!
_ اها , الناس كويسه هناك , الشغل عندنا فى البنك هادى و مريح .
_ يارب دايما يا ستى , مش هناكل ولا ايه ؟!
_ تحب تضرب ايه ؟! ولا اختار ليك انا ؟!
_ انتى بتسألى ! , يا استاذه (مى) انتى كل مره بتختارى ليه نوع الاكل , هو انا بعرف اعارضك فى حاجه , دماغك ناشفه , دماغ صعايده .
_ طيب يا عم (يوسف) , شوف دماغ الصعايده هتأكلك ايه دلوقتى .
   وضعت قائمه الطعام و طلبت بعد أن حضر المتر بكل ثقه ...
_ عايزين فى الاول اتنين "سمبوسك" و اتنين "فتوش" و ياريت لمون على "السمبوسك" و بعد كده اتنين "ستيك لحمه مشويه" و رز .
   بعد أن دون المتر كل هذه الطلبات , رفع رأسه من على الورقه و قال فى سعاده بالغه ...
_ حضرتكوا تحبوا الحلو يكون ايه ؟!
   نظرت الى الشيف (مى) ثم قلت لها ...
_ الطلعه دى عندى انا , عايزين الحلو , اتنين "ام على" و بعدها "ايلى اسبرسو" .
_ تمام يا فندم , حاليا يكون الاكل عند حضراتكم .
   قالت (مى) و هى تبتسم ...
_ عرفت منين ان بحب "ام على" ؟!
_ (على) قالى , جرى ايه يا بنت , هو انا لسه عارفك اول امبارح , بطلى بقى اسئلتك العبقريه دى .
   تبادلنا احاديث كثيره خلال تناولنا الطعام , من الفن الى السياسه الى الاقتصاد الى النميمه على بعض الاشخاص و فى الحقيقه الطعام كان اكثر من رائعا و شجعنى كثيرا على مشاركه (مى) نمها , انتهينا من الاكل و انتظرنا الحلو يأتى و خلال الانتظار , قمت بأخراج ورقه بفره و كيس التبغ و قمت بكل تركيز فى عمليه لف السيجاره و خلال اللف قالت (مى) ...
_ انت لسه معرفتش مين اللى بعت ليك الظرف الابيض فى المستشفى بعد حادثه العربيه ؟!
   تنهدت و تركت ورقه البفره و التبغ و قلت لها ...
_ لسه يا (مى) , لسه معرفش مين اللى بعت الظرف , خمس سنين عمال ادور و مفيش اى نتيجه , خلاص هتتجنن , انا من يأسى بطلت افكر فى الموضوع ده .
_ انا عارفه ان الموضوع ده تعبك يا (يوسف) , بس صدقنى انا كمان تعبانه معاك و مش متخيله ازاى حد عايش مش فاكر غير اخر خمس سنين فى حياته , انا عشت معاك تلات سنين منهم و حاسه بيك .
_ (مى) من فضلك , بلاش كلام فى الموضوع ده , اختمى اليوم كويس احسن .
   لم تتكلم و أكتفت بأداره وجهها إلى النافذه تراقب الشارع و السيارات و الناس و بدأت عيناها تلمع و يظهر بهم الدموع مع طرق خفيف بأصابعها على الطاوله , حينها عرفت إن لا يوجد مجال للحديث معها حتى تهدأ , طلبت الحساب و تركنا المطعم , توجه كل منا إلى سيارته بدون أى كلام و طلبت منها أن تتصل بى عند وصولها لكى أطمئن عليها , هزت رأسها و قبلتنى ثم رحلت , تركتها تذهب و أنا أعلم أنها فى قمه حزنها !
   توجهت إلى سيارتى وأنا أشعر بضيق شديد بسبب هذا الموقف و حديثنا عن الحادثه و بسبب من دوما أحلم بها و (مى) لا تعرف أى شئ عن ذلك الموضوع , لم أخبرها به و إن أخبرتها ستغضب لأننى لم أصارحها به منذ حدوثه كما تعودنا , أشعلت السيجاره التى قمت بلفها و أحرقتها خلال الطريق إلى المنزل , اللعنه على دكتور الصدر و على السرطان و على الازدحام المرورى و على الرئيس و حزبه !

الخميس، 13 مارس 2014

( 8 ) الهروب الكبير ! - خريف 2009 - جزء 1


خريف 2009 ...

   

    مستلقى على جانبى الأيمن شبه نائم و ألم ظهرى يشاركنى السرير , نور صباح اليوم الجديد بدأ فى أحتلال غرفتى من خلال النافذه , لا أعلم كم الساعه الأن , فالنوكيا الخاص بى يتجرع شحنته الكهربيه بعيدا عنى و ساعه الحائط عقاربها وافتها المنيه على الواحده و النصف منذ زمن , غرفتى بسيطه , نافذه لا تفتح و مكان لستائر غير معلقه ,  سرير و دولاب و مكتب يحمل فوقه جهاز كمبيوتر عتيق و مروحه دائما تعمل على السرعه الثانيه , صوتها يجعلنى أذهب فى النوم سريعا , بعض أسطوانات الحديد وزن عشره كيلو و بار , لون الغرفه أصفر مائل إلى لون الليمون , لم يكن لى يد فى أختيار هذا اللون البشع , لا يوجد شئ معلق على الأربع حوائط سوى مرأه بجانب الباب , عاده لا أنظر إليها , بسبب خلافى مع الذى يظهر امامى !

   

   بعد تلك النظره السريعه التى أقوم بها كل مره أستيقظ من النوم كأنى أكتشف الغرفه من جديد , تحاملت على نفسى و على الألم و قمت من على السرير فى طريقى إلى الحمام لا أعبئ بأشارات المرور ولا بأن يكون أحد خارجا مسرعا من غرفه أخرى , فأنا أعيش بمفردى فى الشقه منذ عده سنوات و أصبحت أنا و الوحده وجهان لعمله واحده !

   

   داخل الحمام واقفا لأكثر من دقيقتان فى محاوله لأقناع نفسى للأستعداد لبدايه يوم روتينى جديد , أستسلمت إلى شلال الماء الساخن فوق رأسى لا أفكر فى شئ , البخار يملئ المكان كمن يقود سياره فى وسط شبوره كثيفه , خلال فتره الأستحمام , تأتينى أسئله وجوديه كثيره تحتاج إلى أجابه مقنعه , جميعها تذهب مع توقف المياه و رحيل البخار فى هدوء !

   

   أرتديت ملابسى و فى حزن نظرت الى أسطوانات الحديد العشره كيلو و قلت : مضى وقت طويل على أخر لقاء بيننا , أربع سنوات , منذ طفولتى كنت أتمنى ان يصبح جسدى متناسق و مشدود , تقع الفتيات فى غرامه , حيث أثبتت الدراسات العلميه إن بعض النساء تفضلن الرجل صاحب العضالات , و على ذكر العضالات , تحيه شكر و تقدير إلى بطل مصر "الشحات مبروك" !

   

   خرجت من غرفتى إلى ممر طويل خارجا إلى الصاله , أخذت مفتاح السياره و مفتاح الشقه , المعلق به معصم عصام و هيكل اشرف العظمى و هو يدخن الحشيش و نرمين تمثال الحريه  و جدير بالذكر , إن أوقات كثيره لا اجد اشرف و نرمين ضمن المفاتيح !

   

   دقائق معدوده و كنت داخل سيارتى محاصر فى الأزدحام المرورى على الطريق , اللعنه على من يحكم البلاد , كل يوم أعانى من زحمه السير و أصوات أبواق السيارات و مفاجأت السيدات , كدت أن أذهب إلى القمر فى أحد المرات عندما قررت أحدهن الأنعطاف لدخول شارع جانبى , أحيانا أقكر لماذا لم يخلق لنا الله أجنحه لكى نرتاح ؟!

   

   وصلت متأخرا عن ميعاد العمل فى الاذاعه ساعه و نصف و تلك المده تكفى لكى أفصل من العمل و من الحياه كلها و لكنهم تعودوا منى على ذلك , كنت أقدم برنامج منوعات , كان يأتى كل يوم من الاحد إلى الخميس الساعه السادسه مساءا و لكنه توقف والأن أحضر لبرنامج جديد , و بما أننى أتيت اليوم متأخرا , لن أسلم من لسان رئيس تحرير الأذاعه , الرأس الكبيره كما يقولون , هى فى الثانيه و الثلاثين و هو سن تكون فى المراه فى أوج صحتها و نشاطها , شخصيتها قويه و الكل يخشى معارضتها , حجمها مثالى و وجهها لا يوجد به شئ مميز سوى شفتين روز و عينان بنيتان واسعتين , تعتنى جيدا بأظافرها و ملابسها و رائحه عطرها دائما مختلفه عن كل مره !

   

   دخلت المبنى الذى يوجد به الأذاعه التى أعمل بها و أخذت المصعد إلى الدور الثالت حيث يوجد الأستوديو و بعض مهندسين الصوت و قبل أن أقول " السلام عليكم " ...


_ استاذ (يوسف) , يا استاذ (يوسف) .

_ في ايه يا عم (سعيد) ؟! , مالك عمال تجرى من اخر الطرقه و عمال تقول بعلو الصوت يا استاذ (يوسف) ؟!

   

   تمالك اعصابه و بدأ يأخذ نفسه و يمسح العرق من على وجهه و بعد ان بلع ريقه قال ...


_ رئيسه التحرير عايزه تشوفك بسرعه .

_ و هى عرفت منين ان انا جيت ؟!

_ و دى بيخفى عنها حاجه يا استاذ (يوسف) , يلا تعالى معايا .

_ طيب روح اعمل ليا نيسكافيه و انا هروح ليها .

_ لا لا لا , دى عايزه اجيبك بنفسى لحد مكتبها , الله يكرمك تعالى معايا .

_ حاضر يا سيدى , جى معاك .. يا (وائل) لو اتأخرت ابقى اسأل عليه .

   

   قام عم (سعيد) بأحكام قبضته علي كمن منح الضبطيه القضائيه منذ قليل ثم تمشينا خلال غرف و ممرات المبنى حتى دخلنا إلى الأسانسير فى طريقنا إلى الدور الخامس , ثم قال عم (سعيد) و هو يهندم ملابسه ...


_ هو ايه اللى حصل يا استاذ (يوسف) بينك و بين الاستاذه (ايمان) من ساعه ما بقت رئيس تحرير الاذاعه ؟! , ده انتوا زمان كنتوا احلى اتنين يطلعوا فى برنامج مع بعض .


   توقف الأسانسير فى الدور الخامس و خرجنا و مازال عم (سعيد) يحكم قبضته على , تنهدت قليلا ثم قلت له ...


_ اسكت يا عم (سعيد) , اسكت بدل ما (ايمان) تسمعك و تزعل منك , انت عارفها دى مش بتزعل لوحدها , دى بتجيب ناس تزعل معاها .

_ خلاص خلاص سكتنا .

   

   وصلنا إلى باب المكتب المعلق عليه يافطه "رئيس تحرير الاذاعه" و بدأ عم (سعيد) يدق و معه قلبى أيضا , أتى صوت ناعما من الداخل قائلا : ادخل !

   

   أستجمع عم (سعيد) كل شجاعته و فتح الباب و دخل و أنا خلفه , بداخل الغرفه يوجد مكتب متوسط الحجم عليه جهاز لاب توب و لوحه معدنيه مكتوب عليها "رئيس تحرير الاذاعه (ايمان على حسين) و يوجد أمام المكتب كرسيان و فى الناحيه اليمنى نافذه مغلقه و فوقها تكيف صغير و أسفلها كنبه جلد أسود , على الحائط المقابل شهادات تقدير , أشياء أعتدت على رؤيتها فى كل مره أذهب اليها !

   

   كانت ترتدى قميص لون البنفسج , ضيق يبرز تقاسيم نهديها عن غير قصد , شعرها مرتفع إلى أعلى من الامام و فى وسط رأسها نظاره شمسيه ولا يجب ان أنسى لون طلاء اظافرها , أحمر متوهج !

   

   رفعت عينها من على الورق الذى كانت تقرأه و نظرت إلىِ و إلى عم (سعيد) المرتجف ثم أعتدلت فى جلستها و أخرجت تنهيده مقصوده و بعدها قالت ...


_ روح انت يا عم (سعيد) .

   

   فى لمح البصر أختفى الرجل و تركنى معها , تمشيت إلى المكتب و جلست على الكرسى المواجه للحائط الذى يحمل شهادات التقدير و الصور التذكاريه ثم وضعت هاتفى و كيس التبع و مكينه اللف و بجانبهم المفاتيح , يبدو أن إشرف ليس فى مزاج جيد , و أنا أيضا يا صديقى , قامت من على كرسيها المفضل و أخذت طريقها للجلوس أمامى , هنا لمحت بنطال أسود يجسد أرجل خرطت بعنايه , حقا جميله , بعد جلوسها رمتنى بنظره ثم بدأت ...


_ متأخر ليه ساعه و نص انهارده يا استاذ ؟!

_ مش اول مره اعملها و دى مش اول مره انتى تجبينى و تفتحى معايا تحقيق عن سبب التأخير .

_ طيب قدام انت عارف كل ده , انزل بدرى شويه و تعالى مره فى معادك .

_ ساعه و نص تأخير مش هتوقف الدنيا فى الاذاعه , ثم انا معنديش برنامج شغال حاليا عشان اجى بدرى .

_ صحيح انت مش بتطلع هوا , بس عندك برنامج بتجهز ليه و المفروض انك هتطلع بى قريب , تحمل المسئوليه شويه .

_ انا عارف شغلى كويس و مش محتاج توجيه من حد .

_ اه بأماره انك وقفت برنامج المنوعات بتاعك بعد ما كان مكسر الدنيا و محدش فى الاذاعه عارف انت ليه عملت كده , حركه زى دى واحد غيرك كان زمانه اتفصل فيها .

_ كل مره تعيدى الاسطوانه , مش بتزهقى , بعد اذنك .. اخذت اشيائى من على المكتب و قمت .

_ (يوسف) .. قالتها و هى ممسكه يدى بشده !

   

   أفلت يدى و لم أنظر إليها و توجهت الى الباب و أنا فى قمه غضبى , سالكا ممرات و غرف كثيره متجاهلا نظرات العاملين حتى وصلت الى غرفه كبيره بعض الشئ بها أربع مكاتب و ثلاجه صغيره و تكيف و بعض الملصقات على الحائط , جلست على أحدهم ملقيا المفاتيح و كيس التبغ و مكينه اللف و غضبى رافعا الهاتف الارضى متصلا بالبوفيه ...


_ عم (سعيد) هات قهوه زياده بدل النيسكافيه !


   أثناء أنتظار أعداد القهوه , قمت بأشعال أحد السجائر التى قمت بلفها فى السياره أثناء مشاهده مسرحيه الازدحام المرورى أعلى كوبرى اكتوبر بعد ذلك جاءت القهوه و معد البرنامج الجديد و مهندس الصوت و المخرج , قلت لهم متسائلا ...


_ هى فين (بسنت) ؟!


السبت، 28 ديسمبر 2013

( 7 ) الهروب الكبير ! - شتاء 2014 - جزء 7


غرفه 53 ...
  
   بعد أستقرار حالتى تم نقلى إلى غرفه بسيطه متساويه الابعاد , حوائطها مطليه بالون الابيض و بها نافذه تطل على الشارع الرئيسى للمستشفى فوقها لوحه لمنظر طبيعى يشعرك بالكئابه و الضياع و بالمقابل يوجد باب الغرفه و بجانبه باب أخر لحمام صغير و يوجد بالمنتصف السرير الذى أرقد عليه و ساعه معلقه على الحائط المقابل لى تزعجنى دقات عقاربها السامه , مازال جهاز القلب موضوع بجانبى يرسم خطوطا منتظمه الايقاع و أسلاكه تمر فوق صدرى و محلول يشق طريقه بين أوردتى بدون أستيحاء , ظل كلام الطبيبه يدور داخل رأسى كطائره تستنفذ وقودها من أجل هبوط أضطرارى "مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله" , كُل ما أتذكره وقوعى بداخل غرفه نومى و النافذه التى كانت مفتوحه عن أخرها و المطر الذى أغرقنى و ذهابى إلى الحمام و أفراغ ما بمعدتى و شعورى وقتها بألم رهيب ثم أظلم كُل شئ , لا أقوى على تذكر أى أحداث أكثر من ذلك , مازال الصداع مستمر منذ ليله أمس حتى الان , خلال متابعتى لصوت دقات عقارب الساعه التى أمام , فتح باب الغرفه ممرضه بدينه سألتنى عن حالتى الان :

_ عامل أيه أنهارده ؟
_ تعبان جدا و الصداع هيفرتك دماغى , مش عارف أنام ساعتين على بعض

   أمنت على كلامى بهزه بسيطه من رأسها و نظرت إلى جهاز رسم القلب لعدد من الثوانى ثم قامت بعدها بقياس ضغطى و النبض , بعدها تركتنى بالغرفه ثم عادت بعد وقت قليل ممسكه بيديها حقنه قامت بتفريغ ما تحتوىِ بداخل المحلول المعلق بيدى ثم قالت :

_ ده مهدئ هيخليك تعرف تنام
_ شكرا

   أنسابت مفاصلى دفعه واحده و شعرت أن رأسى أنفصلت عن جسدى و أنى أصبحت حرا طليقا , بهدوء أنسابت جفونى و أستسلمت إلى غياهب النوم بدون مقاومه , لا أعلم هل تركتنى الممرضه قبل أن أذهب أم راقبت المشهد .. اللعنه على المؤخرات الكبيره !

   المشهد أمامى كصوره تبث بتلفزيون ماركه تليمصر أنتاج الثمنينات مزود بأريل يأتى بالقناه الاولى و الثانيه فقط , صوره غير ثابته , مشوشه و بها الكثير من النغمشه , أرى الغرفه التى بها من خلال تلك الصوره الغير واضحه , أرى نفسى كأننى مستيقظ و فى كامل نشاطى و عقلى فى كامل تركيزه كمن نام عشره سنوات , عقارب الساعه المعلقه على الحائط أمامى غير موجوده , أراها عقارب حقيقيه تتمشى على الحائط فى دوائر عكس أتجاه سيرها داخل الساعه , بدأت الصوره ببطئ تسئ أكثر فأكثر حتى أصبحت الرؤيه معدومه , أنقطع البث نهائيا , أصبحت لا أرى الغرفه ولا أرى جسدى , ظل وش قطع البث مستمر لفتره حتى شعرت بسخونه رياح جعلتنى أتذكر سريعا المكان المظلم الذى كُنت محبوسا به و لكنى هذه المره كُنت أرى جسدى ملقى حدفه على تلك الارض الخشنه , ساكن لا يتحرك و بجانبه بقعه دماء لونها أغمق من ظلمه المكان , أنتابتنى قشعره أنتفض لها جسدى لرؤيه جسدى ميتا فى ذلك المكان الموحش , عقلى متوقف عن التفكير كأن أحدهم عبث بأسلاك رأسى , فقط المشاهد تعرض أمامى بدون تدخل منىِ فى أى شئ , عاد البث مره أخرى سئ لفتره ظللت فيها مفتوح العينين لا أراديا أحملق بذلك الوش المستمر حتى أغمضت عينى بغته و أنسحبت بعنف داخليا .. داخل نفسى !

   صوت تلاطم الامواج الخفيف جعلنى أستيقظ , ببطئ فتحت عينى و لاحظت أشعه الشمس تحاول ممارسه الرزيله معاها , أغلقتها سريعا و أعتدلت فى جلستى فالرمال ساخنه , بعد أن فتحت عينى و أغلقتها عدت مرات واجهت أشعه الشمس و هذا المكان , البحر بألوانه الزرقاء و النخل مُصتف عاليا , الهواء لطيف يداعب خصلات شعرى , أثناء إزاله حبات الرمال من علىِ أدركت أننى سوف أقابل السيده الافريقيه ذات الخمسين عاما , فهذا جسدى متناسق الاكتاف و الصدر و الازرع و البطن المقسمه التى منحتنى أياه , على مرمى السُحب المتراميه فى السماء وجدت البيت الخشبى الذى كُنت به من قبل , هذه المره أرتدى بنطال فقط , أفضل من لا شئ , أخذت طريقى إلى ذلك البيت و الرمال تبث سخونتها بأسفل قدمى حتى وصلت , صعدت سلمتين ثم دلفت إلى الداخل فالباب كان مواربا , الغرفه كما هى منذ المره السابقه , السرير ذو الاربع أعمد و الستائر المتدليه منه فى المنتصف , الطاوله و الكرسى و المرأه التى أرى نفسى بها الان , صوت قدمى على أرضيه الغرفه الخشبيه أعلن عن قدومى لها , مددت رأسى ناحيه الشرفه وجدتها جالسه تدخن سيجارتها المفضله و تصب الشاى فى فنجان مقابل لفنجانها , بدون أن تلتفت إلىِ قالت : بتحب الشاى ؟!

   أقتربت من الشرفه حتى جلست بالكرسى الذى يوجد أمامها و ظللت محملق بها فى محاوله لمعرفه من هذه السيده و ماذا تعرف عنى , تركت المعلقه التى كانت تذوب بها الشاى و أراحت ظهرها على كرسيها البسيط و ظلت مبتسمه لعدد من الثوانى ثم دفنت بقايا سيجارتها فى تنوره كرستال ثم قالت :

_  جو المستشفى كئيب مش كده ؟
_ ...........
_ أتلحقت على أخر لحظه , البنت شكلها بتحبك جدا
_ ..........
_ ايه هتفضل ساكت كتير !
_ معنديش حاجه أقولها
_ أزاى بقى ده أنت سر كبير
_ أنتى مين ؟
_ متسألش .. قالتها بحده ثم أردفت ملطفه : أنت المفروض تشكرنى
_ !
_ أتكتب ليك عُمر جديد
_ الاعمار بيد الله
_ أاااه , هو أنت منهم
_ هما مين ؟!
_ مش ده موضوعنا , شوفت أخره رجوعك لست الدار
_ ايه ؟
_ مجهود عنيف , جسمك مقدرش يستحمله
_ ده كلام الدكتوره !
_ الجمال مش كُل حاجه
_ قصدك أيه ؟
_ ست الدار عمرها ما جت و سابتك بعدها سليم
_ ..........
_ أنت لسه ضعيف قدامها , لسه فاكر كُل تفصيله فيها , هى عارفه أنك بتحب جسمها عشان كده جت عريانه
_ أنا مش وسخ
_ و مش ملاك , خمسين فى الميه من نيتك لازم تعيد النظر فيهم
_ .........
_ ست الدار مش عايزاك تفضل عايش
_ قصدك أنى المفروض دلوقتى ميت !
_ أنت ميت فعلا , أنت مشوفتش جثتك ولا ايه ؟
_ أمال مين اللى فى المستشفى و مين اللى قاعد قدامك دلوقتى ؟!
_ أنت موووووووت .. قالتها بصرخه صمت لها أذنى ثم أردفت : و مش صعب أقنعك
_ ...........
_ أشرب الشاى

   مددت يدى بكُل برود و لامبالاه و أمسكت فنجان الشاى الابيض ذو الرسومات المتحركه , أفاعى سوداء تلتف حول بعضها البعض , رفعت الفنجان إلى فمى و مع الرشفه الاولى سقط أحد الافاعى فى فمى , شعرت به يتخذ طريقه داخل حلقى ثم من بعدها أحسست بألم رهيب ناحيه قلبى , من فرط الالم أوقعت الفنجان على الارض و نظرت إليها و إلى ثباتها و مراقبتها لى , أخرجت من علبه سجائرها واحده و مع أشعالها نشب حريق داخل صدرى شممت رائحته داخل أنفى ...

_ أنتى بتعملى فيه ايه ؟
_ ..........
_ أنا بموت
_ هتموت
_ !
_ من زمان و أنا مستنيه اللحظه دى , أنت ضعيف و هتسمع الكلام , مفيش قدامك حل تانى , لقد بدأ الامر للتو

   من قال "لقد بدأ الامر للتو" شخص رخيم الصوت , صوت رجل بالغ ممتلئ بالحقد و الشر لم يكن أبدا صوتها , مازال الالم يعتصرنى بكُل عنف و قسوه , سكاكين تذبحنى من الداخل حتى أننى وقعت من على الكرسى و تمددت على أرضيه الشرفه و بدأت الصوره تذهب رويدا رويدا

_ سرعه ضربات القلب بتزيد بسرعه رهيبه و ضغطه بقى عالى جدا , كلمى مدير المستشفى يلحقنى أنا مش قادره أسيطر عليه , جسمه بيتنفض بعنف , هيروح مننا

   المشهد داخل غرفتى بالمستشفى , جسدى ينتفض و سرعه ضربات قلبى كسرت السرعه القانونيه , الدكتوره المتابعه لحالتى تحاول فعل أى شئ ولكن بدون فائده , سيده الدار تقف عاريه خلفها تبتسم بحنانها المعتاد و خلف سيده الدار شابه ترتدى أسدال طويل و بيدها سكين يلمع نصله , أقتربت منىِ و سددت عده طعنات متفرقه فى أنحاء جسدى و سيده الدار لم تتحرك ساكنه لى تمنعها ...

_ فى نزيف يا دكتور من كُل حته فى جسمه معرفش جه أزاى و منين , بينزف كتير جدا
_ غريبه جسمه مش بيستجيب للمهدئات , هاتى بسرعه جهاز الصدمه الكهربائيه

   هرعت الطبيبه لكى تأتى بالجهاز و حاول مدير المستشفى السيطره على النزيف و ضربات قلبى المتسارعه و لكن بدون فائده جهاز رسم القلب كاد يحرق من سرعه خطوطه الخضراء المتراقصه بعنف و عداد الضربات الذى جاوز الحد المسموح به منذ زمن

_ الجهاز يا دكتور
_ كُله يوسع .. 1 , 2 , 3

   تقوس ظهرى من شده الصدمه الكهربائيه و لكنها لم تاتى بنتيجه , أعاد الرجل المحاوله مره أخرى و مع الصدمه الثانيه رأيتنى بجسدى التى منحتنى أياه السيده الافريقيه واقف عند طرف السرير و سيده الدار و صاحبه الاسدال أمامى بالطرف المقابل للسرير , أنظر إليهم بملامح يملئها الغضب و العبوث , تغيرت ملامحهم عندما رأونى أمامهم , نظرت إلى و أبتسمت ثم قلت لم ينتهى الامر بعد لقد بدأ للتو , أشعر أننى فى أفضل حالتى بهذا الجسد المتناسق , الصدمه الكهربائيه الثالثه أنتهى معها كُل شئ , سكن جسدى بلا حراك و أختفت سيده الدار و صاحبه الاسدال كما أننى أختفيت أيضا من أمامى , عندها أطلق جهاز رسم القلب صافره طويله تعلن وفاتى رسميا , نزع الطبيب الاسلاك من صدرى و قال إلى الطبيبه المساعده :


_ ساعه الوفاه 10 : 4 الفجر